الرئيسية » مائة مخرج » اكيرا كوروساوا

اكيرا كوروساوا

1212495927666_14759

اكيرا كوروساوا السينمائي في هيئة الساموراي

المخرج الذي قدم الروح اليابانية في شكل صور عبقرية

طاهر علوان

مشهد اول / فلاش باك

نحن الان في السادس والعشرين من  مارس آذار من العام 1990 ، “اكيرا كوروساوا” ، احد اعظم المخرجين في تاريخ السينما في العالم ، يطل من نافذة الفندق الذي يقيم فيه الى ناطحات السحاب في لوس انجلوس ثم مايلبث ان يخرج من غرفته ليجد نفسه وسط جمهور ضخم اكتظت به قاعة البافلون وبانتظاره على خشبة المسرح كل من المخرجين الكبيرين ستيفن سبيلبيرج وجورج لوكاس وهما يرحبان به ويعدانه المعلم الكبير لهما ويتوجانه بجائزة الاوسكار الشرفية عن مجمل اعماله ثم ليفاجآنه بالاحتفال بعيد ميلاده الثمانين  .

 يرتجل كوروساوا المأخوذ بتلك المفاجأة والغارق في التواضع كلمة مؤثرة قائلا : ” يشرفني ان امنح هذه الجائزة الرفيعة ولكنني سأتساءل فيما اذا كنت استحقها  فعلا ؟ .. لانني اشعر انني لم افهم السينما بعد ، انني اشعر انني تلمست روح السينما ، نعم ان السينما فن رائع حقا ولكن تلمس روح السينما هو عمل صعب جدا ولكنني  اعدكم من الان بانني سأعمل بكل جد من اجل صنع الافلام  وربما بالمضي في هذا المسار سأصل يوما الى روح السينما ” .

هي 30 فيلما خلال 57 عاما تلك هي الحصيلة الوافرة التي ظلت تحوم بثقلها في كل تكريم لسينما كوروساوا بل للسينما اليابانية كما لم تعرف قبل كوروساوا ابتداءا من فيلم ” الملاك الثمل” 1948 الذي شهد ولادة اسلوب جديد في تلك السينما ، طبيب يتولى معالجة شاب منغمس في تعاطي المخدرات وفي اعمال الجريمة لتتحول العلاقة بينهما الى صداقة ، الممثل “تاشيرو ميفيون” في اول انطلاقته ، قدم نمطا ادائيا عفويا غير مألوف في السينما اليابانية ، وليصبح الاثنان نجمان يكمل احدهما الاخر ومثل معه في 15 فيلما اخرى.

.السينما اليابانية رسالة عالمية

هنالك من يعد كوروساوا كسواه من عمالقة السينما الفرنسية والايطالية والالمانية انهم يشكلون جيل مابعد الحرب العالمية الثانية ، هي ولادة مخرج خرج من جوف الحرب بفيلم هز الوجدان واثر في مسار تاريخ السينما , “راشومون”  فيلمه الاشهر / 1950في عرضه الاول وايضا من

بطولة تاشيرو ميفيون / حصل على جائزة الاسد الذهبي من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي / وهو الفيلم الذي كان سببا في التعرف على السينما اليابانية عالميا وكوروساوا كان سببا وراء اطلاقها من اطارها المحلي وصارت بعد ذلك الافلام اليابانية مرحب بها .

راشومون مأخوذ عن قصة للكاتب الياباني ” ريونسوك اكوتاغاوا ” اسلوب مختلف في السرد ، تقع الاحداث في مدينة كيوتو ، اربعة بنى سردية ، اربعة وجهات نظر ، اربعة شخصيات تروي قصىة واحدة وازمة واحدة ، قاطع طريق يقوم باعتراض طريق الساموراي ومن ثم قتله واغتصاب زوجته ، الشاهد الوحيد الذي يعرف الحقيقة هو الحطاب ، هنا ستلعب وجهات النظر دورها في السرد الفيلمي وحتى الى جهة اشراك المشاهد في التفسير والتكهن بالواقعة .

ويمضي كورواسوا في الغوص عميقا في الموروث الشعبي الياباني ، قصص اكثر واقعية وبناء سردي مدهش يخرج من تراكمات ذلك العالم المجهول الغارق في المحلية المغلقة على نفسها في تحفته “الساموراي السبعة ” – 1954

، الاحداث تقع في القرن الخامس عشر ، في احدى القرى التي يتهددها دوما اللصوص وقطاع الطرق يلجأ القرويون للبحث عن الساموراي الذين يمكن ان يدافعوا عن القرية وتبدأ  قصة سبعة من الساموراي الذي يقارعون تلك العصابات  كما انهم يقومون بتدريب القرويين بالدفاع عن انفسهم .دراما واقعية قال عنها الناقد ” مايكل جيك ” : كوروساوا ينجح في الزج بكتلة من الشخصيات الرئيسية في هيئة ابطال للفيلم في نوع من تشظي البطولة والشخصيات  فيما شخص الناقد ” روجر ايبيرت ” ذلك السرد القائم على عنصر الحركة والمرويات الشعبية التي تمجد البطولة .حصل الفيلم على جائزة الاسد الفضي في مهرجان فينيسيا 1954 مع العديد من الترشيحات لنيل جائزتي البافتا والاوسكار .

سينما تنفتح على كل العصور

لم يكرر كوروساوا ايا من تجاربه ولكنه كان ينسخ نفسه مرارا على الرغم من صلة الوصل العميقة التي ربطته بالثقافة اليابانية التقليدية فلم يبن ايا من افكار افلامه على معطيات معاصرة مجردة بل على مشتركات مجردة تجمع كل العصور وكل الشخصيات في اي زمان ومكان كمفردة الشر والحياة والموت والكراهية والاستغلال والقسوة والاحلام الغامضة وهو في سبيل ذلك عمق صلته بالشكل السردي التقليدي الذي تزخر به الذاكرة اليابانية من خلال ماعرف بمسر ح النو ، حرص أخاذ على سينما في هويتها وواقعيتها المختلفة .

هذه التجربة الثرة بدأت منذ صبا وشباب كوروساوا الابن الثامن والاصغر لاسرة تنحدر من الساموراي. موقفان اثرا به وهو لما يزل في سن الثالثة عشرة وهما دخوله لاول مرة الى السينما ثم صدمته بمشاهدة ضحايا الزلزال الذي ضرب مدينة كانتو في ضواحي طوكيو ثم ليعمل في بداياته المبكرة شابا مساعد مخرج الى جانب العديد من المخرجين اليابانيين في تلك الفترة من ابرزهم المخرج الكبير ساتسو ياماموتو الذي اعطاه نصيحة وهو في تلك البدايات قائلا له : ” تذكر ان الفيلم لكي يكون عظيما وناجحا لابد له من سيناريو عظيم وناجح ” .

المرحلة الروسية

لعلها علامة فارقة حقا ان كوروساوا نجح مبكرا في ادماج تلك السينما الواقعية المشبعة بالروح اليابانية بقمم الادب العالمي ولهذا فقد عرف ولع كوروساوا بالكاتب الروسي الكبير ديستويفسكي و نهل كثيرا من ابداعه واعد روايته ” الابله ” في فيلم حمل ذات العنوان – 1951، اجواء قاتمة لشخصيات محطمة تلفها اجواء الاحباط في حقبة مابعد الحرب العالمية الثانية ، ” كاميدا ” ليس الا المثال والنموذج على تلك التراجيديا ، انه ذلك الذي يوصف بالحمق او شبه الجنون الذي يدفعه لمغادرة ” اوكيناوا ” ملتمسا حياة اخرى . ولربما كانت التجربة الروسية في تفاعل كوروساوا مع عيون الادب الروسي هي التي دفعته ايضا الى اعداد مسرحية ” الحضيض – 1957″ للكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي وحيث حياة المحطمين بكل ابعادها تتجسم من خلال ذلك المعرض البشري في المكان الذي يؤوي فيه الزوجان ” روكوبي و ” اوسوجي ” المشردين والضائعين والمحطمين ، كائنات على هامش المجتمع تنشد ملاذا مؤقتا في تلك الحجرات البائسة التي يؤجرها الزوجان ، ولتتجلى خلال ذلك عبقرية كوروساوا في زرع الشخصيات  واعادة تشكيها محافظا على روح ادب غوركي وواقعيته الناقدة المؤثرة التي تغوض عميقا في قراراة الذات الانسانية .

على ان انغماسه بالقمم الادبية وايجاد مكافئها في الشخصيات والحياة والواقع الياباني ستدفعه قدما الى الادب الشكسبيري الذي طالما اعلن عن تأثره به في صنع الشخصيات الدرامية وهاهو يجسد مسرحية مكبث من خلال فيلم عرش الدم – 1957 ، والشخصيتان الرئيسيتان هنا هما من الساموراي ، وهي معالجة لم تكن في نظر النقاد الا اعادة انتاج لوعي مأزوم ولكن على الطريقة اليابانية ، المحاربان الجسوران في صراعهما مع الاشرارا وفيما هما وسط الغابات الكثيفة تصادفهما روح مجهولة تتنبأ بالمستقبل وماسيقع لهما ، تنويع آخر على تلك الدراما التي حفرت عميقا من خلال شخصيات تبحث عن وجود فاعل لها ولو بالقوة .

مكافئ محلي لشخصيات عالمية

لكن كوروساوا سيعود الى شكسبير في عمل مهم آخر وهو فيلم ” ران – 1985″ المأخوذ عن مسرحية الملك لير وفي نفس الوقت عن الاسطورة اليابانية ” موري موتوناري ” وهنا يقدم كوروساوا فيلما ملحميا كبيرا عد في حينه الفيلم الاعلى تكلفة في تاريخ السينما اليايانية وعد ايضا مدرسة في مجمل العناصر الفنية وقد رشح الى عدة جوائز اوسكار حصل من بينها على جائزة افضل تصميم ازياء ( المصممة  ايمي وادا ) ، في هذا الفيلم الملحمي الكبير تلعب السلطة والمرأة دورها فضلا عن صورة الصراع على الحكم بين ابناء اللورد ” هيديتورا ” وهو الموزع بين صراعات ابنائه وبين خصومه وبين نزعات زوجته ، يحشد كوروساوا قمة عبقريته في صنع سرد فيلمي فريد وصراع اضداد مرير صار درسا في بناء الشخصيات وادماجها بأقدارها .

وجريا على تلك الواقعية التي عرف بها ظل فيلم درسو اوزالا -1975 علامة فارقة اخرى وهي امتداد للمرحلة الروسية في مساره ، الفيلم مأخوذ عن كتاب فلاديمير ارسينيف ، وحاز على جائزة الاوسكار لافضل فيلم اجنبي في ذلك العام ، والفيلم صور في مناطق شاسعة من الاراضي الروسية وهو نموذج مختلف مما يمكن ان نسميه بالعودة الى الفطرة الاولى للطبيعة الممتدة وكذلك الشخصيات التي تجد نفسها  مأخوذة الى اعادة اكتشاف ماحولها وبما في ذلك الشخصيات المحيطة بها .

واذا كانت تلك  هي العلامات الفارقة في المرحلة الروسية من مسيرة وحياة كوروساوا فأنه بالمقابل مر بالمرحلة الامريكية التي تمتد من منتصف الستينيات عندما حل بالديار الامريكية وانغمس في رغبة عارمة لعمل افلام جديدة له هناك لكن الحظ لم يكن حليفة وسط مشاريع افلام لم تر النور يعزوها كوروساوا نفسه الى اختلاف في الرؤية والى طريقة التفكير لكن وبعد ذلك بقرابة ثلاثة عقود يعود كوروساوا الى المرحلة الامريكية من خلال فيلم ” احلام 1990 ” ، الفيلم الذي انتج بمساعدة وتزكية مجموعة من كبار مخرجي السينما الامريكية العاشقين لسينما كوروساوا وهم كل من جورج لوكاس وسبيلبرغ وكوبولا ولينتج الفيلم من طرف ” وارنر براذرز ” وعرض خارج المسابقة في مهرجان كان وهذا الفيلم هو احد آخر الافلام الثلاثة الاخيرة واهمها قبيل رحيله عام 1998 وهذا الفيلم هو نسق  شعري – فلسفي في بنائه السردي يختلف كثيرا بل جذريا عما درج عليه كوروساوا في تجاربه السابقة ، انه هو ذاته كوروساوا يترجم احلامه متتابعة في ثمان قصص او ثمان احلام شبه مستقلة عن بعضها وهي في الواقع مجموعة كثيفة من التداعيات والافكار التي تتدفق معبرة عن شخصية كوروساوا نفسه ، ولكنها وان كانت تحمل صفة الاحلام فأن النهايات القاتمة تحف بكل حلم وصولا الى جدلية الموت التي ترفرف من حوله لتتوج قمة عبقريته في فيلم اودع فيه احلامه واحباطاته على السواء .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*