الرئيسية » مائة مخرج » فرانسوا تروفو

فرانسوا تروفو

francois_truffaut copy1

غير المرغوب فيه عندما  تمرد على اساليب السينما الفرنسية

فرانسوا تروفو عبقري الموجة الجديدة

طاهر علوان

نحن الان في في منتصف شهر آيار مايو من العام 1959 ، نجوم السينما من انحاء العالم ووسائل الاعلام كلها تحتشد في ( الكوت دازور ) لحضور الحفل الختامي للدورة الثانية عشرة لمهرجان كان السينمائي الدولي ، اوقات حبس الانفاس والترقب لاعلان اصحاب الحظ السعيد من المخرجين المتنافسين على السعفة الذهبية وباقي الجوائز المهمة ، يصعد الى المنصة الكاتب والفيلسوف الفرنسي ” مارسيل آشار ” ليتوج شابا لم يتعد السابعة والعشرين من عمره هو ” فرانسوا تروفو ” بجائزة احسن مخرج عن فيلمه الروائي الطويل الاول ” 400 ضربة ” ، هناك في تلك الصالة كان العملاق جان كوكتو ، رائد السينما الشعرية الفرنسية والاسم العالمي الكبير يحملق في الفراغ ، لاسيما وهو يسمع عن ذلك الشاب الذي اعلن منذ فيلمه الاول تمرده على السينما الفرنسية واساليبها القديمة ولم تسلم اسلوبية كوكتو من نقده .

على الطرف الاخر كان هنالك السينمائي السريالي الفرنسي الكبير ” لوي بونويل ” الذي ذاع صيته بتحالفه مع السرياليين من الرسامين وفي القمة منهم سلفادور دالي وكان فيلم ” كلب اندلسي ” هو ذروة ذلك المنجز السريالي وهاهو يتنافس هو الاخر مع ذلك السينمائي الشاب في مسابقة كان لذلك العام و يتنافس مع سينمائيين مهمين آخرين في تلك الحقبة من بينهم جورج ستيفنز و مارسيل كاموس و ريتشارد فليتشر ومارغوت بيناكيراف وغيرهم .

اذا هو فيلم 400 ضربة وبالفعل هي ضربات متلاحقة سددها تروفو بجدارة وقوة بواسطة ذلك الفيلم ، ضربة الى حياته الماضية ، الى مأساة طفولته وشقائه وعذاباته ، الى زوج امه الذي لم يكن معه على وفاق ابدا حتى عد الفيلم  بمثابة بداية النهاية بين الطرفين والقطيعة النهائية وكذلك فعلت الام وضربة اخرى للسينما الفرنسية السائدة ، فبعد البيانات والمقالات اللاذعة التي اطلقها تروفو  ضد اساليب السينما الفرنسية هاهو يفعل ويقدم رسالة مرئية اخرى تترجم كل امنياته واحلامه وفرضياته : التمرد على الشكل التقليدي المتأثر كثيرا بنظام الاستديو في السينما الامريكية حتى ، النزول الى الحياة ، الى الانسان ، الى الاماكن الحقيقية ، ملامسة مايجري في الخارج كما هو ، تقديم الشخصيات التي في الحياة كما هي ، ليسوا بالضرورة اشخاصا وسيمين .. وهاهو ” انطوان دوانيل ” الطفل المعجزة ، بطل هذا الفيلم بلا منازع يكسر جمود السينما بأداء عفوي متقن وان هو الا ظل لشخصية تروفو وصدى لها واحيانا هو تروفو نفسه في حياته الماضية التعيسة ، وسيبقى انطوان هذا حاضرا في اغلب افلام تروفو الروائية الطويلة العشرين حتى رحيله عام 1984.

اطلاق الموجة الجديدة

تختصر مسيرة تروفو تاريخا حافلا واساسيا في منجز السينما الفرنسية والعالمية عموما ممثلة في ماعرف  بالموجة الجديدة التي يشكل تروفو القطب الاساس فيها والتي كانت بياناتها تترى من خلال ماعرف بدفاتر السينما التي تأسست في العام 1951 وكانت هي المدونة التاريخية للسينما الفرنسية الجديدة ، احتشد فيها عمالقة هذا المسار : تروفو نفسه الى جانب جان لوك جودار و جاك ريفيه و كلود شابرول واما الاب الروحي والصديق الحميم فقد كان ” اندريه بازان ” الذي كان له الفضل الكبير في مسار حياة تروفو .

لن ينسى تروفو ابدا يوم اسس ناد للسينما في ذلك الركن من شارع ” سنت جيرمان ” والذي كان يعرض الافلام في مقابل مبلغ بسيط يدفعه الجمهور ويوم لم يعرض الفيلم المبرمج لذلك اليوم فهاج الناس وحضرت الشرطة واقتادت الفتى تروفو الى السجن ليرسل رسالة التماس الى ناقد كبير يسمع عنه لكنه لم يلتقه يوما ولم يكن ذلك الناقد سوى اندريه بازان ، كتب له تروفو بضعة كلمات مؤثرة : ” اني اتوسل اليك ان تساعدني ، انا الان في السجن وان السينما هي السبب ” ومايلبث ان يخف  بازان لانقاذ ذلك الشاب وليفتح ابوابا جديدة امامه وليؤثر فيه ايما تأثير ليطلقه ناقدا يحسب له حساب فيما بعد في ترسيخ مفهوم ” سينما المؤلف ” التي دافع عنها بازان بقوة .

كانت عاصفة المرجة الجديدة تتناغم مع عواصف السياسة وتنامي قوة اليسار في تلك الحقبة لكن ماكان يعني اولئك الشباب المندفع للتأسيس هو ان يقدموا سينما مختلفة ، يقول جودار مثلا عن تيار الموجة الجديدة ” انها سينما تتحدث عن الاشياء التي تعرفها لاعن الاشياء التي لاتعرفها ” وهو مااكده تروفو في تلك الرهافة الانسانية المطلقة ، ترجمة الذات الشخصية التي تعيش ازماتها الخاصة كما في علاقة حب غريبة في فيلم ” جول وجيم ” ، علاقة مضطربة بين فتاتين من جهة ورجل واحد ، كانت في الاصل رواية واقعية في شكل سيرة ذاتية كتبها روائي شاب هو ” فرانز هيسيل ” ولطالما تحدث عنها تروفو وهو يحلم في تحويلها الى فيلم ، وهنا اطلق تروفو العنان لاسلوبه الجديد الذي طالما نادى به سواء من خلال التصوير ، الكامير المهتزة ، اللقطات الثابتة ، مزج الصورة واعتامها وهي كلها عبرت عن ديناميكية مختلفة في مساره انتقلت الى العديد من افلامه اللاحقة .

حرائق الفكر على الشاشات

وامتدادا لازمات المثقف سينتقل تروفو الى ازمة الثقافة من خلال تنويع جديد في اسلوبه من خلال فيلمه الشهير 451 فهرنهايت /1966 ، خيال علمي وباللغة الانكليزية  وبالالوان ، ثلاثة علامات مختلفة عن مجمل منجزه ، يقول ان للكتاب حياة ولكن هاهي الكتب يجري اعدامها حرقا في مجزرة جماعية ، تلك هي فرضيته ، عمال الاطفاء هم الذين يحرقون الفكر في ظل حكومة شمولية ، عرض الفيلم في بريطانيا والولايات المتحدة وكانت تلك ارضية مناسبة مع جمهوره الناطق بالانكليزية والذي سيحتفي به بعد ذلك بقرابة عقدين ليتوج بجائزة اوسكار افضل فيلم اجنبي عن فيلمه ” نهار من اجل الليل ” ، يصعد تروفو الى منصة التتويج وبمفردات انكليزية معدودة ممتزجة بلكنة فرنسية يرفع جائزة الاوسكار وليترشح مجددا بعد ذلك بخمس سنوات للجائزة نفسها عن فيلمه الميترو الاخير / 1980 وهو الفيلم الذي نال 10 جوائز في مسابقة السيزار ، النجمان كاترين دينوف وجيرار ديبارديو في احد اهم افلامهما ويتوجان بجائزتي احسن ممثل وممثلة ، وهاهما تحت ادارة تروفو والاحداث تقع في باريس في اثناء الحرب العالمية الثانية وحيث النازيون يطوفون ارجاء المدينة  ، زوج وزوجته يعملان في المسرح لكن تروفو يعود مجددا الى العلاقة ثلاثية الابعاد التي بدأها بفيلم جول وجيم ، فالزوجة هي ايضا طرف في علاقة ما مع احد الممثلين ، وعي مشوف وخوف من سطوة النازية واسلوب تروفو يتطلب منه مزيد من الصور والوثائق وعرض الملصقات في كل كثيف ومؤثر .

واذا كنا بصدد ذلك الاسلوب الذي شكل ملامح مسار هذا المخرج العبقري في كون افلامه حلقات متصلة ، واحداثها تنمو في فيلم لتظهر بشكل اخر في فيلم آخر ، هاهو مثلا يعود الى شخصية انطوان دوانيل التي ظهرت في فيلمه الاول 400 ضربة تعود في فيلم قبلات مسروقة ، ولكنه ايضا يضيف اليها تلك الايام العصيبة في حياته المبكرة ، فشله في الارتباط بالفتاة التي يحب ، احساسه المتفاقم انه شخص ممل وغير مرغوب فيه ، ثم وكنوع من رد الفعل النفسي يقرر الالتحاق بالجيش للتخلص من وطأة تلك الازمة النفسية وهو الذي يتجلى في هذا الفيلم وتمر به الاحداث نفسها.

علاقات عاطفية لاتشبه سواها

من الجهة الاخرى سيمضي تروفو في استقاء تلك التجليات الجانبية الصغيرة التي واكبت عمله ناقدا سينمائيا ومحررا صحافيا ، هاهي ظلال ذلك الزمن في اطار اسلوبي مختلف في فيلم الجلد الناعم ، حيث العلاقة الطارئة وغير المحسوبة بين الصحافي ومضيفة الطيران ، وحيث اجمع كثير من النقاد على ان الحياة الماضية لتروفو ماانفكت وهي تلاحقه وفيما الفيلم مفعم بظلال من تلك الذكريات والتجارب الشخصية .

واذا توقفنا عند ذلك النوع المختلف من العلاقات العاطفية الذي يتحلى في اغلب تجارب الموجة الجديدة فأن تلك العلاقات المبتورة او المفاجئة او المضطربة ان هي الا امتداد لرؤية تروفو نفسه في المقاربة المختلفة للعاطفة عما درجت عليه السينما الفرنسية فهاهو يقدم كاترين دونوف الى جانب جان بول بلموندو في نوع من هذه العلاقات الاشكالية في فيلم ” حورية المسيسيبي ” / 1970 ، الرسائل تلعب دورها في تلك العلاقة العاطفية ، ليتحقق اللقاء الاول بين عاشقين ، الهبت عاطفتيهما المراسلات وليحقق الفيلم نجاحا جماهيريا كاسحا في حينه ، فيلم مختلف وعوالم مختلفة ليست غريبة عن عالم تروفو .

وامتداد لتلك العلاقات المشوشة والمضطربة سنكون امام شبكة من العلاقات هذه المرة في فيلم ” الرجل الذي احب امرأة ” ، 1977 ، فالعودة عن طريق الاستذكار ( فلاش باك ) في حياة الشخصية الرئيسة ( الممثل تشارليس دينير ) ، مغامرات مع نساء ، تقابلها علاقة مفاجئة مع امرأة قادمة من كندا في زيارة قصيرة ليتكشف له نوع آخر من النساء  من خلال شخصية جينفيير ( الممثلة بريجيت فوسيي) ، هنا ثم اشكالية تتعلق بتلك الشخصيات المضطربة التي لاتتورع عن الخيانة لانها لاتتمكن من الوفاء بالارتباط العاطفي ، هنا تكون الخيانة واردة بالطبع ، تمارسها الشخصيات وكما عاشها وترجمها تروفو نفسه في حياته الخاصة وحتى في طفولته ، انه فيلم يضعه بعض النقاد في خانة غير المعتاد ، لجهة ذلك الجدل بين شخصيتين اشكاليتين ، شخصيتان ستظهران ولكن بلبوس آخر ودراما عاطفية جديدة في فيلم ( المرأة المجاورة ) الذي كان الفيلم قبل الاخير لتروفو ، هنا الجارة الجيدة التي سيقع في غرامها رجل لم يفكر يوما ان عاصفة عاطفية ما ستغير مسار حياته .

ينجز  تروفو فيلمه ” اخيرا يوم الاحد ” وهو حقا ، اخيرا فيلم الوداع ، الدراما المأخوذة عن رواية امريكية يصيب فيها تروفو نجاحا كبيرا ، جريمة عادية واحداث مثيرة والنجم جان لوي ترنتيان مع فاني اردان في دورين مهميمن ، يطلق تروفو هذا الفيلم  واعدا جمهوره بمشاريع اخرى يعمل عليها لكن الموت يكون في انتظاره وهو لم يتجازوز الثانية والخمسين من العمر.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*