الرئيسية » مائة مخرج » فيديريكو فيليني

فيديريكو فيليني

Fellini_S

 

الفنان الشامل  الذي علم نفسه صناعة الافلام بأسلوب مختلف

فيدريكيو فيليني عاشق روما الذي صنع منها عالما سينمائيا  

طاهر علوان

نحن الان في اواخر شهر آذار مارس 1993 ، المخرج الايطالي الكبير ” فيديريكو فيليني ” بصحبة زوجته الممثلة ” جوليتا ماسينا ” ، رفيقة دربه طيلة نصف قرن من حياته ، انها ليلة ايطالية بامتياز هناك في لوس انجلوس ، على المسرح تقف  صوفيا لورين تتحدث عن رجل افنى عمره وراء الكاميرا وصنع افلاما تلقفها الجمهور والمهرجانات والجوائز منذ البدايات  ، رشح وفاز مرارا بجائزة الاوسكار وان هو الا فيديريكو فيليني ، في وسط هذا المشهد  سينظم الممثل الشهير مارسيلو ماستروياني الذي تحدث عن رحلة امدها اربعون عاما مع فيليني  وليقدمه الى الجمهور الذي غصت به قاعة البافيلون لمنحه الاوسكار الشرفية عن مجمل اعماله .

 فيليني على الخشبة مجللا بأعوامه التي زادت على سبعة عقود ، يقول انه لم يتوقع ان يمنح هذه الجائزة ، وانه كا يتوقع ان يحصل عليها فيما بعد وتحديدا بعد ربع قرن ولكنه بعد خمس سنوات فقط من ذلك الحدث الكبير يكون قد رحل مخلفا ارثا سينمائيا ضخما ينشغل به العالم اجمع .

الأيطالي الفريد

فليني ظل ايطاليا الى النخاع ، في لهجته وعاداته ونظام حياته ، لم تسحره هوليوود وهو في ذروة مجده وشهرته ولا استطاع الاقامة في بلاد اخرى اذ بقيت موضوعاته مأخوذة الى روما والى الحياة الايطالية .

 هاهو شاب يافع ( مواليد 1920)  في لقطات ارشيفية بالابيض والسود ،  لقطات مهتزة تعود الى صيف العام 1944 عندما تحررت روما بعد الحرب العالمية الثانية ومبكرا ينظم الى زميله ” روبيرتو روسيليني” في تأسيس الواقعية الايطالية الجديدة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية ، وهاهما يتشاركان في كتابة فيلم روسيليني الشهير روما مدينة مفتوحة – 1945 ، هنا ماتزال وحشية النازيين طرية في الاذهان ولهذا تتجسد على نطاق واسع من خلال الاحداث ومن خلال شخصيات الفيلم وليتوج الفيلم بالجائزة الكبرى لمهرجان كان -1946 وليرشح السيناريو الذي كتبه فليني نفسه لنيل جائزة الاوسكار .

هذه البداية المبكرة لشاب في عشرينياته يستذكرها فيليني في حوار معه قائلا : ” لم اكن اعلم الكثير عن السينما ،بل لم يكن يخطر في بالي قط آنذاك ان اصبح مخرجا سينمائيا ، كنت عاشقا للادب وعندما قابلت روسيليني  بدا كمن  يقشع الضباب عن طريقي ، وسرعان ماانغمست في كتابة السيناريو ، تطوير الشخصيات والافكار الواقعية الى صور ، كان روسيليني معلما وملهما كبيرا بالنسبة لي ، وكان حلم ” روما مدينة مفتوحة يكبر ويتحول الى واقع بين ايدينا ” .

صانع الحياة الواقعية الحلوة

روما نفسها ستشهد اعادة قراءته للسينما واسباغ ماتراكم في ذهنه من فن الباروك الى غرائبية كافكا الى حرفية صناعة الشخصية عند وليم فولكنر وهاهو يغوص في كل هذا وهو في اثناء العرض الاول لتحفته السينمائية  الكوميدية انا فيتيلوني ” وهنا في مهرجان فينسيا يقدم النجم الايطالي الشهير ” البيرتو سوردي ” وهي روما نفسها في فيلمه ذائع الصيت ” دولتشا فيتا ” او الحياة الحلوة 1960 ، تنويع آخر على تلك الكوميديا الغرائبية لذلك الكاتب في الصحافة الصفراء ، وان فليني نفسه الا كاتب اعمدة ومقالات في مستهل حياته ، راويا للقصص وهاهو الصحافي ( يؤدي الدور الممثل الكبير مارسيلو استرياني ) في سلسلة تمتد الى بضعة ايام ، رحلة مرة يجد هذا الصحفي في روما ملاذا ، يصفها بأنها اقرب الى ” غابة متشابكة وغامضة يسهل للمرء الاختباء فيها ” فيما تقع المفارقة وهو يصادف فتاة انيقة تضيق ذرعا بروما المكان والمدينة وتبحث عن مدينة اخرى تستقر فيها .

هكذا ، في فضاء روما وفي دروبها يروي ذلك الصحافي المتعدد الاهتمامات يومياته او هو يجسدها بساعاتها وغالبا في اطار مجتمع مخملي يتحول الى مصدر مهم لاخبار تلك الصحافة المشاكسة .رشح الفيلم لنيل جائزة الاوسكار وفي نفس الوقت حصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان  وقوبل باهتمام كبير جماهيريا بل خلف وراءه ردود افعال بعضها كان ساخطا من طرف اوساط برلمانية وسياسية وصولا الى الفاتيكان وانقسم جمهور الفيلم بين مرحب ومعترض..

سيمر فيليني بحالة اكتئاب شديد تتطلب خضوعه الى علاج مكثف بمساعدة زوجته وهي مناسبة لاطراء ” جوليتا ماسينا ” الزوجة والصديقة والشريكة في العاطفة كما هي نجمة السينما ، الممثلة والمديرة لاعمال فيليني بل هي الدائرة التي تدور في فلك فيليني وتمنح لحياته طعما ومعنى هكذا ظل يصرح مرارا حتى موته وانه لم يكن ليتصور الحياة من دونها .

فيلم لاسترادا ( الطريق )  1954 وقدم فيه الممثل الكبير انطوني كوين الى جانب زوجته نفسها الممثلة ( جوليتا ماسينا ) ، تلك الفتاة التي ترفرف من حولها اشباح اختفاء اختها بصحبة ذلك الرجل مفتول العضلات الذي هو اقرب الى شخصية المهرج والذي يستعرض قدراته الخارقة ليصنع مفردات عيشه ، هكذا في خليط من السخرية والبطولة الايهامية ، تلك السخرية التي كان فيليني قد برع فيها من قبل في كتابة السيناريو بشكل خاص ، هذا الفيلم اطلق اسم فيليني على نطاق واسع بحصوله على اوسكار احسن فيلم بلغة اجنبية والعديد من الجوائز في مهرجانات عالمية اخرى .

في فيلم ليالي كابريا 1957 هنالك عرض مفعم بالواقعية مع شيء من العاطفة الغامضة في تبدد حياة الفتاة الشابة كابيريا التي  عرفت بائعة للهوى واذا بها تبحث عن حبها المفقود ، امرأة في مجتمع ذكوري تصنع هي بنفسها رؤيتها لذلك المجتمع خاصة وسط مفارقات متنوعة في تلك الليالي التي تمضيها سواء في النادي الليلي او وهي تلتقي ” اوسكار”  : فتى احلامها الذي تبيع لاجله كل شيء كي تحضى بالعيش معه ، وليكون المشهد الاخير الذي يشهد احباط كابريا وفشل حبها من المشاهد التي تسجل علامة في تاريخ السينما ، المرأة الممزقة الغارقة في دموعها وسط ثلة من الفتية تشاركهم اللعب وليحضى الفيلم بجائزة احسن ممثلة لجوليتا ماسينا وجائزة اوسكار احسن فيلم اجنبي في ذلك العام .

الازمنة الذهبية

في الستينيات ، الحقبة المزدهرة في حياة فيليني كما هي على صعيد السينما الاوربية والايطالية ، هنا سيكون فليني قد مضى قدما في مشواره وهاهو في العام 1963 يعود الى منجزه متسائلا الى اين ؟ انها ثمانية افلام ونصف الفيلم كل منجزه حتى ذلك العام ، ستة افلام روائية طويلة ، فيلمان قصيران وفيلم بمشاركة مخرج آخر وهذه المرة ايضا مع مارسيلو ماستروياني والفيلم حمل اسم ثمانية ونصف ، وكأنه يستبطن ذاكرة ووعي ذاتي وقد اصبح ماستروياني الممثل الارجح في افلامه من بين سائر الممثلين وليحظ الفيلم بجائزتي اوسكار لاحسن فيلم اجنبي واحسن ازياء ، ويعرض بنجاح في مهرجانات عدة منها  كان وموسكو .

هي كما ذكرنا من قبل الازمنة الذهبية ، ازدهار سينما المؤلف وظهور التيارات السينمائية الجديدة في منارتين  مهمتين للسينما في المانيا وفرنسا وبموازاتهما كانت هنالك سينما متجددة في روما يصنعها فيليني وثلة من المخرجين الايطاليين وهو الذي يمكن عده فنانا شاملا ، قرأ السينما من خلال المسرح الهزلي ورسم الكاريكاتور والمقالات الساخرة وكتابة السيناريو والقصة والرواية والشعر .

في فيلم “ساتيريكون- 1969” يترك فيليني العنان لنفسه متدفقا ، بعضهم عده متأثرا بالسريالية السينمائية التي مثلها لوي بونيول ، انها مزيد من التداعيات الصورية والانثيالات المرتبطة بالذاكرة المجردة ، تختلط فيها صور من الماضي ، وهو اتجاه جديد الى حد كبير في مسار فيليني ولكنه علامة شاخصة من علامات نضجه وتحول الفيلم الى مرويات سردية خاصة به وحده تحمل بصمته اذ امتلك حريته الكاملة في تقديم تجربته السينمائية  ، هنالك من اتهم الفيلم بأنه يحمل نوعا من الرؤية القاتمة ، تلك المقاربة الناقدة لانهيار الحضارة الرومانية في مقابل حياة تعج بالصخب السياسي الراهن الذي تحياه ايطاليا .

الذاكرة المشوشة – ماقبل الرحيل

ولم تكن سيرة النساء الا جزءا من ذاكرته المشوشة احيانا والثاقبة احيانا اخرى ، العالم الذي تمتلكه النساء وتسود فيهن خلال حضور فعال في فيلم غرائبي يحمل اسم مدينة النساء – 1980 وحيث النجم الاشهر مارسيلو ماستروياني كمن يدخل مغارة علي بابا نسائية من عربة القطار حيث يقابل امرأة ما ثم الى نزل مليئ بالغرائبيات وكان قد شرع في اطلاق تلك الفانتازيا  في فيلم كازانوفا – 1976، صورة مقلوبة وعتيقة لتلك السيرة الشائقة التاريخية لزير النساء الذي تبددت ايامه والفزع يفتك به وتداعيات الشيخوخة والماضي تتراكم ملقية بظلالها على حياته اليومية  .

مقاربة السياسة بالسخرية

لكن تلك التداعيات التي تتدفق في ذهن الشاعر – السينمائي مثل احلام مترامية ستمتد بعيدا وصولا الى تلك السريالية الغرائبية لكن غير المنفصلة عن الواقع في فيلم صوت القمر -1993 المأخوذ عن رواية لأيرمانو كافازوني , هنالك من رأى فيه كثافة سردية من المرويات الشعبية والفولكلورية ممزوجا بغرائبية معتادة في اعمال فيليني والا فما معنى ان لايكون امام تلك الشخصيات الغرائبية سوى محاولة اصطياد القمر ، كثير جدا من الخوض في احاسيس روحية وماورائيات في شكل شعري ترك فليني لنفسه مرونة كبيرة في مقاربة الرواية والخروج منها بتلك الحصيلة التي اختتم فيها فيليني رحلته السينمائية ( توفي في العام 1993).

وبعد هذا ، فبالرغم من كل متغيرات السياسة وتقلباتها تلك التي كانت تدور بضجيجها من حول فيليني منذ البدايات ، وبالرغم من كل مؤامرات الساسة وقصصهم التي الهبت الرأي العام في ايطاليا الا انها لم تحرك في فيليني – السينمائي ان يركب قطار السياسة ، ولا ان ينظم لحزب ما او تيار  ، ولا ان يصرح بمواقف سياسية مباشرة مع او ضد ، كان على الدوام يترك لافلامه المساحة الكافية والحرية في مواكبة الحياة وبما فيها متغيراتها السياسية وهي التي ترصد وتناقش وتسخر اقصى درجات السخرية من الساسة واخطائهم وممارساتهم وهو ابدع حقا في استخدام تلك السخرية التي ظلت تشكل علامة فارقة في افلامه ، نوع من الاستعارات اللاذعة والتوريات التي كانت تصيب المشهد السياسي في الصميم وكان المشاهدون يجدون فيها كثير جدا مما يبحثون عنه من قراءة ناضجة وساخرة ايضا لذلك الواقع .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*