الرئيسية » مائة مخرج » ويرنر هيرزوج

ويرنر هيرزوج

 

 

 

Bb76c9zIIAAnJOp.jpg-large

 

ويرنر هيرزوج : السينمائي الكوني العابر للانتماء المكاني 

طاهر علوان

نحن الان في عمق الصحراء العربية ، هناك  على امتداد ورزازات ومراكش المغربيتين ثم تخوم البتراء الاردنية وحيث سيقف المخرج الالماني “ويرنر هيزوج ” الى جانب نجمة هوليوود ” نيكول كيدمان ” لتؤدي  دور المرأة التي يعرف اسمها وسيرتها اغلب العراقيين وهي الميس بيل ، الكاتبة والرحالة والمعمارية والسياسية والجاسوسة البريطانية التي لعبت دورا مهما في تاريخ منطقة الشرق الاوسط والعراق خاصة ،  الفيلم  هو ” ملكة الصحراء ” احدث افلام هيرزوج . خلف الفيلم وراءه اصداءا شتى بعضها غير راض ..لكن الامر بالنسبة الى هيزوغ مختلف تماما فهو بهذا الفيلم وهذه المعالجة  يكون اولا قد واصل احتفاءه بالطبيعة وهي مسألة اساسية في تعامله مع الفن السينمائي ووظيفته وثانيا اكد رؤيته انه ليس راويا للتاريخ وهو ماكان يبحث عنه كثيرون في هذا الفيلم ، قدم انسانة تمارس حياتها الطبيعية في حقبة ما بل والمصادفة انها كانت اول امرأة تحتل دور البطولة في فيلم من افلام هيرزوغ ، اذ ان كل ابطاله وطيلة مسيرته هم من الرجال لعل في مقدمتهم النجم الراحل ذائع الصيت والصديق الشخصي لهيرزوغ الممثل كلاوس كينسكي .

من عمق الصحراء العربية الى جبال الانديز ووهاد ووديان نيكاراغوا الى سهول لاووس ماانفك هيرزوغ متنقلا من بيئة قاهرة وساحرة الى اخرى وهي بيئات افلامه ومن خلال  مسيرة حافلة تمتد   الى  نصف قرن ، ازمنة وتحولات تبدأ منذ مابعد الحرب العالمية الثانية مباشرة يطل البافاري العتيق ، شابا يافعا تتردد في اصداء المدينة التي نشأ فيها ترانيم الشاعر البافاري ماكس كونز : ” اللهم احفظ بافاريا طبيعتها ، وارضها الخصبة من جبال الالب الى نهر ماين ” ، هناك كان اول  انغمار لهيرزوغ الشاب مع الطبيعة والانسان وهي الثنائية الاثيرة التي ظلت ملازمة له طيلة حياته وحتى هذه اللحظة .

الحضارة  بالنسبة له ليست الا قشرة جليد على سطح محيط  يكتظ بالفوضى والظلام ، ذلك مايردده ، وهي الاشكالية التي خاض فيها طويلا في تلمس اضطرابات تلك الحضارة وتحولاتها  ، كائناته مصدومة من تلك الفوضى وذلك الظلام كما جسدها في فيلمه ” الجندي الصغير -1984 “، حيث الفرد ملاحق بوجه من اوجه الحضارة الا وهي الصراعات والحروب لاسيما وهيرزوغ يلاحق مخلفات النازية والحرب العالمية الثانية ويقدم مثل هذا الجندي المأزوم ، في فيلم “دروس الظلام – 1992 و في فيلم ” ازرق وحشي ” 2005 تأكيد على نزعة هيرزوغ في تلازم حلقات الصراع مع هذه الحضارة المثقلة بعقدها ومشكلاتها فهو يبني فكرة مبكرة ومشروعا في مرحلة ما ثم ليعود لمعالجته مجددا في فيلم آخر بعد ذلك بسنوات وهذان الفيلمان يكملان ماطرحه قبل ذلك في فيلمه ( فاتا مورغانا -1972 ) لتتشكل ثلاثية تتعلق بالانسان وازماته في صلتها بالطبيعة .

منذ البدايات لم يعد هيرزوغ مجرد مخرج الماني يصور في بلاده وموضوعاته يستمدها من حياة بلاده ، انه اكثر مخرج الماني عالمية فهو يبحث عن الموضوعات التي تستجيب لرؤيته في كونية السينما وكونية المشكلات التي يواجهها الانسان و هاهو يبحر باتجاه افريقيا مبكرا ، اعادة استكشاف وقراءة للحياة والثقافة والانسان ومباشرة انتاج ثلاثة افلام في العام 1969 فيما يمكن ان نسميه بالمرحلة الافريقية من مسيرته وهي  مرحلة غنية وبالغة الاهمية ” الاطباء المحلقون في شرق افريقيا – 1969 ” وثائقي يرافق اطباء سافروا الى شرق افريقيا لغرض ملاحقة والقضاء على وباء التراخوما المنتشر هناك ثم  فيلم مستقبل المعاقين 1971 ثم فيلم ارض الصمت والظلام – 1971 وجميعها عنيت بالمعضلات الحياتية والاوبئة التي تعصف بالقارة وهو امر سيواصل هيرزوغ البحث فيه عائدا الى افريقيا ومواجهة امبراطورية بوكاسا  وذلك بعد عشرين عاما وتحديدا في العام 1990 ليقدم ” فيلم اصداء من الامبراطيورية الكئيبة”  ليمعن  تحريا في  تلك الفضائع التي  ارتكبت على يدي ذلك الحاكم الرهيب وفي عهده وبما فيها اكل لحوم البشر وقد استغرق هيرزوج في استقصاء الظاهرة عميقا وشكل فيلمه صرخة مؤثرة .

لكنه سيعود الى البيئة التي نشأ فيها مستكشفا ماحل بها في فيلم  قلب الزجاج 1976 الروائي الطويل الذي تقع احداثه في بافاريا ، فيلم عن تلك المدنية الهشة  في وسط صخب المجتمع الصناعي الذي يتقاذفة النفاق ، هذا ماصرح به مع ان الفيلم لم يحظ بنجاح كبير لكن ذلك لم يثن هيرزوغ عن المضي في مشروعه  ولكن هذه المرة من زاوية الانسان من خلال فيلم ” لغز كاسبار هاوزر ” وكاسبر هنا شخصة تواجه قدرها في العزلة عن الحياة في السجن ولما يخرج الى الواقع يجد ان من الصعوبة بمكان ان يتناغم مع تلك المدنية  البافارية المجنونة والصاخبة ، نوع من الاحساس المضني بالاغتراب والعزلة عن الواقع.

 كاسبر ليس الا عينة من عينات الشخصيات التي قدمتها السينما الالمانية الجديدة ، الجيل الذي بلا اب مثل كاسبر المتروك لقدره ومصيره ، الضائع وسط زحمة الحياة وصخبها ووسط امواج الانانية السائدة في المجتمع وهو ماسيؤكده لاحقا وبنفس المسار في فيلمه الوثائقي القصير ” لا احد سيلعب معي-  ” 1976 الذي هو اقرب الى الشاعرية في تتبع اشكالية العزلة الفردية .

بالنسبة لهيرزوغ بيئة الانسان كما حضارته مشتركة في الشكل والجدلية المرتبطة بوجود الانسان ذاته ولهذا فأنه يتتبع فرضياته في تلك البيئات المتنوعة ومنذ مراحله التي اسست لرؤيته ، هاهو في  الفيلم الوثائقي  “لاسوفرير “1977 ينتقل الى احدى جزر الكاريبي وهي جزيرة ( جوادالوب ) وحيث يواكب انفجار احد البراكين لكنه بموازة ذلك بصدد  انفجار الوعي ، البشر المحيطون بالمكان في صلتهم بتلك الطبيعة الصاخبة وكان هيرزوج قد عرض حياته الى خطر حقيقي اثناء التصوير.

ملاحقا موضوع الانسان والطبيعة من قارة الى اخرى وهاهو في صحراء الكويت في العام 1991 راصدا الاثار التدميرية الهائلة لحرائق آبار النفط ابان حرب الخليج الثانية وذلك من خلال الفيلم الوثائقي ” دروس من  الظلام ” ، رسالة ادانة صارخة للحروب وماجرته على الكوكب من خراب ثم لينتقل الى بيئات  اخرى  مختلفة تماما عن الشرق ، الى المكسيك  وجواتيمالا ليمضي زمنا هناك لتقديم ثلاثة افلام : السيد الموثق 1999 ثم فيلم الحج الى هناك 2001 ثم فيلم عجلة الزمن  2003 ، خليط من الاثنوغرافيا والانثروبولوجيا ، ارتباطا بسلوك الانسان في بيئة شديدة الخصوصية.

كان لقاءه المبكر مع دعامات السينما الالمانية او ماعرف بالسينما الالمانية الجديدة من المحطات المهمة : وكان ذلك بعد رحلاته الاستكشافية والتأملية  من اوربا الى امريكا الشمالية  الى افريقيا التي استغرقت سنوات عدة ليعود  الى ميونيخ عام 1968 فيلتقي المخرجين الكبيرين  ” فولكر شولندروف” و” راينر فاسبندر”  الذين يعدان بالاضافة الى هيرزوج وفيم فيندرز ومارغريت فون تروتا المؤسسون الحقيقيون لتيار السينما الالمانية الجديدة  لجيل مابعد الحرب العالمية الثانية  وثورات اوربا السيتنيات لكن بالنسبة لهيرزوج لاوجود  لمثل هذا التيار اطلاقا  اذ من وجهة نظره  لكل مخرج تجاربه ومن غير الممكن عمليا من جمع تجارب مخرجين في شكل تيار كما انه يشكك في انتمائه هو اصلا  لتيار كهذا لأنه لا يتعاطف كثيرا مع الدراسات النمطية التي تعنى بالتصنيف على اساس الاجيال والتجارب والمدارس على صعيد البلد الواحد اضافة  الى ذلك انه طالما انتقد كثير من الافلام الالمانية معلنا انها اشكال سينمائية في شكل خطاب سينمائي محلي خالص بينما هو منذ البداية سار على مسار مختلف يجسد عالمية السينما وعالمية افلامه بالتحديد لهذا ليس مستغربا ان افلامه بصفة عامة لم تنل النجاح الباهر الذي تستحقه في المانيا في مقابل نجاحها عالميا .

ابان لقاءه ذاك كان قد اخرج توا فيلمه الروائي الطويل الأول ” علامات الحياة ” الذي لم يكن الا سبرا لأصداء ومخلفات الحرب العالمية الثانية من خلال ثلاثة من الجنود الالمان الذين تعصف بهم دوامة الحرب  ليبدأ بعد ذلك اول تعاون بينه وبين الممثل الكبير ” كلاوس كينسكي ” ذلك التعاون الذي امتد لخمسة افلام ناجحة عدت محطة مهمة من محطات حياة ومسيرة هيرزوغ – كينسكي ، فيلم ” اغوير غضب الرب ” فيلم بقي في الذاكرة وشكل علامة مهمة في مسار هيرزوغ ، قصة تاريخية عميقة الجذور في التاريخ الاسباني وكما في حضارة الانكا ، ليتكامل التعاون بين كينسكي وهيرزوغ في افلام : ” نوسفيراتو – 1979 ” ، ” ويزيك – 1979 ” ، فريزرالدو – 1982 ” ، كوبرا فيردي -1987 ” ليرثيه بعد رحيله بسنوات من خلال الفيلم الوثائقي ” اعز اصدقائي -1999″ وكانت كلمة رثاء بلغية توقف خلالها عند اهم محطات كينكسي وعبقريته .

دهشة اكتشاف السينما ظلت ملازمة لهيرزوغ ( مواليد 1942) منذ بداياته وفيلمه القصير الاول وكان عمره 19 عاما وحمل عنوان الهراقلة وقدم تجربته تلك من خلال عالم بناء الاجسام ثم فيلمه  التجريبي القصير الكلمات الاخيرة 1968 عن رجل يكون في مواجهة واقع حياتي وانساني مضطرب مما يجعله عاجزا عن النطق او التعبير عما يعيشة .

  يجمع دارسو هيرزوغ على انه اشتغل على ايجاد قواعد جديدة للصورة ، قواعد تقوم على وعي يرى ماامامه على السطح لكنه يغوص عميقا في الظواهر ولهذا فقد عرف بجرأته البالغة التي مازال سائرا عليها في الادماج بين الوثائقي والدرامي من منطلق مايسميه هيزوج ذلك التلازم المبهر بين الحياة والواقع  باعتبارهما ارضية الوثائقي وبين الدراما باعتبارها روح الفيلم الروائي مستخدما في كثير من الاحيان الشخصيات من الحياة ومن الواقع نفسه وبعضهم لم يمثلوا في حياتهم وهو ماجسده مرارا.

 مسيرة تعج بالجوائز والترشيحات ومنها فوزه بسعفة كان 1982 عن فيلمه فيتز كرالدو وهو امتداد لأفلامه التي تضع التحدي السياسي والتاريخي في وجه العوالم المليئة بالجريمة والخراب وطمس السلام الفردي والانساني والتي تضع امام ابطاله تحديات وجودية عميقة تحول غالبا بينها وبين احلامها العريضة وتدفعها الى صراعات والحاصل ان اغلب افلام هيرزوغ وبعد اكثر من 25 فيلما روائيا طويلا وقصيرا واكثر من 35 فيلما وثائقيا فضلا عن المسرحيات والاوبرا التي اخرجها ،  نجده يشتغل   على محاور ثلاث اساسية وهي : ازمة الانسان المعاصر – المجتمع الذي تثقله الازمات – قوة الطبيعة المحاطة بأعداء الطبيعة ..

عند هيزوج ان  اصل السينما جاء من حكايات الريف ومن السيرك وليس من الفن او من الدراسات الاكاديمية وهو السينمائي الذي لايعد افلامه نوعا من انواع الفن بل موادا فنية اقرب الى روح الشعر … وهو الذي يقال فيه الكثير الكثير باعتباره واحدا من اهم المخرجين في في تاريخ السينما العالمية .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*