الرئيسية » مائة مخرج » اوليفر ستون

اوليفر ستون

 

oliver-stone_3

اوليفر ستون : السينمائي الذي يريد تغيير وجه العالم 

اعادة قراءة التاريخ غير المرئى

طاهر علوان 

حياة تستحق ان تعاش ، حياة مختلفة تختصر تاريخا وسيرا وثقافات ووعيا وتنعكس بشكل ما وتختزل في صورة او سلسلة من الصور ، تلك  هي حياة مبدعين مزجوا بين مايمكن ان نسميه تاريخ الحياة وتاريخهم الشخصي ، تلك الغوايات والتجليات الصامتة التي يمتلك المبدع وحده القدرة على اعادة انتاجها بشكل ما ، في شكل ابداعي ملفت للنظر وقادر على الاستمرار . ربما تنطبق هذه المقدمة على ( اوليفر ستون ) الذي طالما عبر عن هذا الولع الأخاذ في مزج الحياة الشخصية بالحياة الجمعية من خلال اعادة انتاج التاريخ الشخصي والجمعي على الشاشة وهو قد عبر عن ذلك كثيرا ، فمثلا هو يقول : ” انني لا اتعامل مع التاريخ بوصفه تاريخا مجردا ، بل بوصفه تاريخا نابضا  بالدراما ، وان وظيفة الفيلم هي قراءة ذلك التاريخ الدراماتيكي ، تاريخ الشعوب والثقافات كما الافراد ” .

هذا العالم المتشكل من تجارب الافراد سينعكس مبكرا في سائر اعمال هذا المبدع الذي يعد واحدا من المع ١٠٠ مخرج في تاريخ السينما في العالم ، وهو الذي جعل السينما والفيلم اكثر تفاعلا مع الحياة ومع السياسة وتاريخ الولايات المتحدة وتركيبتها الثقافية والاجتماعية .

انه ليس غير ذلك الشاب الجريء الذي زج به في حرب فيتنام (   1955 1975   ) جنديا ولكنه خرج منها بصوت مدو ضد الحروب كلها وضد صانعيها كما انعكست تلك الحرب في كثير من افلامه كما سنأتي اليها الان .

في سيرة ستون يبرز الموقف الاخلاقي مواكبا للأنغماس في الحياة الثقافية والاجتماعية التي ترافقها كل تلك الشهرة التي حظي ويحظى بها ستون والنجاحات  الكبيرالتي اصابتها افلامه .

***

.

لايخفي ستون لدى حديثه عن سيرته انه عمل في شتى المهن وبعضها بعيد عن عالم الفن والسينما ، فقد عمل سائق سيارة اجرة وبائعا ومراسلا ثم مساعد انتاج ثم ليبدأ تجاربه الاولى في كتابة السيناريو وهو المجال الذي عشقه وبقي ملازما له الى درجة انه بقي يكتب سيناريو افلامه او يشارك في كتابتها وقد تجلت مواهبه مبكرا فتخرج من كلية الفنون في جامعة نيويورك عام ١٩٧٠ وكان من حسن الطالع ان المخرج الكبير ( مارتن سكورسيزي) هو احد اساتذته فيما اصبحا بعد حين زميلين يتنافسان على الشهرة وجوائز الاوسكار…

وعودا على اصداء حرب فيتنام وانعكاساتها المريرة في افلام اوليفر ستون فنجد ان اول افلامه كان فيلما قصيرا طوله ١٢ دقيقة وحمل عنوان ( العام الاخير في فيتنام ) وقد اصاب هذا الفيلم نجاحا متميزا ، كان ذلك في منتصف السبعينيات حيث منذ ذلك الفيلم ظلت اصداء الحرب ومكابداتها وآثامها تتردد في افلامه.

 ليتوج اولى نجاحاته بكتابة سيناريو فيلم ( قطار منتصف الليل ) للمخرج البريطاني ( الن باركر ) وليحصد الفيلم عدة جوائز اوسكار دفعة واحدة من بينها اوسكار احسن سيناريو واحسن مخرج واحسن موسيقى واحسن ممثل ثم ليواصل تعاونه مع باركر مجددا ولكن بعد سنوات وذلك في فيلم ( ايفيتا ) عام ١٩٩٦.

لكن فيلم قطار منتصف الليل لم يمر مرور الكرام فهو اولا مأخوذ عن رواية كتبها ( بيلي هايس ) الذي ابدى اعتراضه على ماجرى لروايته من تغيير ، وفي واقع الامر انها عودة لجدل الرواية والفيلم في السينما من جهة اخرى انطلقت ردود افعال من الجانب التركي في حينها ، فالقصة تدور حول شاب امريكي يسافر الى تركيا لقضاء اجازة مع صديقته وهناك يلقى القبض عليه من طرف الشرطة التركية بسبب حيازته للمخدرات ويزج به في السجن وخلال ذلك يعرض للأساليب الوحشية التي عومل بها ذلك الشاب من طرف السلطات التركية .

ثم ليعود ستون الى عالم المخدرات الذي ظل يستهويه لأنه يعكس جانبا من صورة المجتمع الامريكي ، يعود من خلال كتابة سيناريو فيلم ( سكارفيس ) من بطولة ال باتشنو للمخرج البارع ( برايان دي بالما ) ، وفي واقع الامر انها اعادة محاكمة ومراجعة للمجتمع الامريكي وانحرافاته الفادحة واصلها ستون في عدة افلام لاحقة اخرجها بنفسه حتى فيلمه الاخير ( المتوحشون ٢٠١٢) مرورا بفيلم (مجرمون بالفطرة ١٩٩٤) . فيلم سكارفيس يحكي قصة ( توني مونتانا ) المهاجر الكوبي القادم الى الولايات المتحدة وهو لايملك شيئا ليتحول الى واحد من اكبر تجار المخدرات ومن فرط العنف والجريمة التي يقدمها الفيلم لوحق ايضا بانتقادات من الجالية الكوبية.

على ان فيتنام فضلا عن صورة الحياة الامريكية ظلت تتفاعل في افلامه ليتجلى ذلك في فيلمه ذائع الصيت ( بلاتون – 1986 ) الذي عد احد افضل عشرة افلام في الثمانينات وهو من تأليف ستون نفسه واخراجه وادى ادواره الرئيسية كل من : توم بيرينجر ، وليم ديفو وشارلي شين والفيلم يذهب عميقا في يوميات الحرب الفيتنامية ومكابدات الصراح واصداءه في نفوس ثلة من الجنود الذين يواجهون في كل يوم شكلا من اشكال الموت وهو في الواقع شبه سيرة وتجربة شخصية للمخرج نفسه الذي عاش تلك الايام القاتمة لحظة بلحظة. اصاب الفيلم نجاحا ملحوظا وتوج بالعديد من جوائز الاوسكار: احسن سيناريو واحسن اخراج واحسن تصوير واحسن مونتاج واحسن صوت واحسن تمثيل . ومالبث ستون ان عاد الى حرب فيتنام مجددا بفيلم ( ولد في الرابع من تموز 1989) وهو الجزء الثاني من الثلاثية الفيتنامية ويحكي جوانب حقيقية من سيرة ذاتية منشورة في كتاب حقق نجاحا تجاريا كبيرا عن  جندي المارينز ( رون كوفيتش ) ابتداءا من طفولته المبكرة وصباه مواكبا حقبة الرئيس جون كندي ومتأثرا بحياة وشخصيات المارينز وحلمه ان يكون مثلهم ويحيا حياتهم .وقد لاقى الفيلم نجاحا تجاريا ايضا ونال جائزتي اوسكار هما جائزة احسن اخراج واحسن مونتاج . من هنا واصل ستون ملاحقته لقصص وتراجيديا حرب فيتنام ليتوج ثلاثيته بفيلم ( الجنة والارض 1993) وهو يروي جوانب من الصراع في فيتنام ولكن من وجهة نظر فتاة فيتنامية هذه المرة ، فالفتاة اليافعة ( لاي لي) ولدت وترعرعت في قرية صغيرة ماتلبث ان تكتشف عنف الشيوعيين في فيتنام الجنوبية الذين يجبرونها على الرحيل مع اسرتها لتسقط في قبضة ( الفيتكونغ ) فتتعرض للأغتصاب بسبب الشك انها خائنة ، ثم يجري ترحيلها مجددا الى مدينة فيتنامية اخرى مع اسرتها وهناك يخدعها الشخص الذي تشتغل تحت امرته وتحمل منه لتكون خاتمة رحلتها مع ” ستيف بتلر ”  الضباط في الجيش الامريكي ( يؤدي الدور الممثل توم لي جونز ) لتكمل مشوار حياتها في الولايات المتحدة .

بموازاة هذه الرحلة الشائقة اهتم ستون بحياة الزعماء كجانب من تسليط الضوء على الحياة الامريكية والغوص في خفاياها ، ومن هنا جاء فيلمه المهم ( ج اف كي  ١٩٩١) عن حياة الرئيس الامريكي جون كنيدي واغتياله ، والفيلم جزء من رؤية ستون في قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي لكن في اطار من نظرية المؤامرة وفي ضوء كتاب توثيقي كان قد نشر على نطاق واسع في الولايات المتحدة موضوعه ايضا نظرية المؤامرة وخلفيات الصراع السياسي والمصالح التي افضت الى اغتيال كنيدي والكتاب هو للمؤلف ( زاخاري سكلار ) الذي ساهم في كتابة السيناريو الى جانب ستون وقد حاز الفيلم على جائزتين من جوائز الاوسكار.

الفيلم الاخر ضمن سلسلة اهتمام ستون بالسير الذاتية للزعماء عارضا الخلفيات غير المرئية لحياة المجتمع الامريكي وقواه الفاعلة هو فيلم ( w ) عن سيرة وحياة الرئيس الامريكي المثير للجدل ( جورج دبليو بوش) ،- انتاج ٢٠٠٨ ، يبدأ الفيلم من العام ١٩٦٦ متتبعا حياة الطالب الجامعي بوش ( يؤدي الدور جوش برولين ) في جامعة ييل، شاب مدمن على الكحول وغريب الاطوار ، غير مهتم على الاطلاق بانغماس اسرته في الاستثمارات والاعمال وخاصة في مجال البترول ثم المتاعب التي سببها لوالده من اجل سحبه اما الي حقل الاستثمارات والثروة والنفط او الى السياسة وواقعيا ان كلا منهما يكمل الاخر ..لينتهي اخيرا في قرار بوش الابن الدخول في الانتخابات ليمضي في مسيرة صعوده السياسي متخبطا في ادمان الكحول والتشويش في الرؤية السياسية.

وفي الاطار السياسي نفسه كان لستون ولع بالغ بالحياة السياسية في القارة الامريكية اللاتينية ولهذا وجد في الفيلم الوثائقي اداة للتعمق في تحولات السياسة والفكر اليساري والاشتراكي لتلك البلدان وفي طليعتهم الزعيمين فيدل كاسترو وهوغو شافيز ، حيث انجز فيلمين عن كاسترو هما ( فيدل كاسترو -٢٠٠٣ ) و (كاسترو في الشتاء ٢٠١٢) فيما كان فيلمه غرب الحدود ( ٢٠٠٩) مناسبة لأجراء مقابلات مباشرة مع سبعة من رؤساء امريكا اللاتينية من بينهم الراحل هوغو شافيز رئيس فنزويلا السابق و ايفو موراليس رئيس بوليفيا وراؤول كاسترو رئيس كوبا فضلا عن رؤساء الارجنتين والبرازيل والبارغواي وهو لم يخف اعجابه بكل من كاسترو وتشافيز مرات عدة .

ولم يكن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي خارج خارطة اهتماماته فقد كان فيلمه persona non grata  فرصة لأستجلاء هذا الصراع اذ قابل الرئيس الراحل ياسر عرفات فضلا عن عدد من السياسيين الاسرائيليين وتبعت ذلك تصريحات قوية صدرت منه مست الجالية اليهودية الامريكية في موضوع الهولوكوست مما دفعه للتراجع والاعتذار عن الطريقة التي فسرت بها تلك التصريحات .

ستون ( مواليد 1946) لايخفي تعاطفه ومساندته لشخصيتين سببتا كثيرا من الازعاج للولايات المتحدة وهما كل من ( جوليان اسانج) صاحب تسريبات ويكليكس و ادوارد سنودن صاحب التسريبات الخطيرة عن عمليات التجسس التي تديرها الولايات المتحدة في انحاء العالم وهو يحضر حاليا لفيلم وثائقي عن سنودن بالتعاون مع صحيفة الغارديان البريطانية …

اخيرا وليس آخرا …. وبصدد الوضع الذي يعيشه العالم اليوم ومواقف وسياسات حكومة الولايات المتحدة يكتب اوليفر ستون في صفحته في فيسبوك مؤخرا قائلا : “انني اكره الرعب بكل اشكاله وانا مذعور خاصة لما جرى في غزة ،اعتقد ان علينا كمواطنين في هذا العالم وليس فقط كمواطنين امريكيين ان نفعل شيئا ازاء مايجري في العالم ” .

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*