الرئيسية » محاضرات » المعرفة والمعلومات في السيناريو ح2

المعرفة والمعلومات في السيناريو ح2

محاضرة

نظام المعرفة والمعلومات في السيناريو

ح2

نموذج من محاضرات ورشات السيناريو التخصصية

د.طاهر علوان
بناء الشخصيات في الحكاية

لغرض إقناع القارئ أو المشاهد بالحكاية فلابد أن تبنى الشخصيات بشكل صحيح من خلال ما يأتي :

1- إذا كانت الحكاية تحتوي أحداثاً من الخيال وتبدو كأنها غير حقيقية ولا واقعية إلا أن المطلب الأساسي من الكاتب هو جعل القارئ يصدق بأن ما تحتويه الحكاية من أحداث ممكن أن يقع ويكون حقيقي بالكامل . إذن الهدف هو تحويل ما هو متخيل وواقعي إلى درجة عالية من الإقناع .(فيلم أي تي او ملك الخاتم )

2- تحديد خصوصيات الشخصية بالكامل سواء من ناحية الشكل أو من ناحية العاطفة والعقل .( شخصيات فيلم المومياء لشادي عبد السلام )

3- إن عنصر النجاح الأساسي هو وجود الفعل ورد الفعل ما بين الشخصية في الحكاية والشخصيات التي تعيش معها في البيئة (العلاقات بين الشخصيات في فيلم “بس يابحر” للمخرج الكويتي خالد الصديق وفيلم بابا عزيز لناصر خمير ).

4- إيجاد أفعال وتصرفات للشخصيات تشبه ما هو موجود في الحياة لكي لا يستغرب القارئ ولا يستبعد وقوع مثل هذه الأفعال .

5- أن يكون للشخصية اختياراتها الخاصة فيما تفعل فلا تبدو وكأنها لا حول لها ولا قوة ومنقادة إلى الموضـوع بشكل سطحي بل أن تكون لها آراؤها وتصوراتها وأفكارها الخاصة .

6- أن تكون مشوقة في أفعالها وتحركاتها وذلك من خلال احتفاظها بخصوصية معينة في المظهر والسلوك حيث أننا نشاهد الشخصيات في الحياة وهذه الشخصيات لها خصوصيات في الهوايات والعمل والحياة الخاصة .
الوحدة العضوية للحكاية

يقصد بالوحدة العضوية للحكاية أنها ذلك الترابط الذي يجعل الحكاية في جسم واحد مترابط الأجزاء .. فكما أن جسم الإنسان وحدة واحدة وفيه أعضاء مترابطة يؤدي كل عضو منها وظيفة ودوراً معيناً فكذلك الحال بالنسبة للحكاية .

إن من الأسس المهمة التي يجب التركيز عليها هو أن لا تتشّعب الحكاية إلى خارج مادتّها وفكرتها الرئيسية وبذلك تخرج عن إطار الوحدة الواحدة المتكاملة . فبحث الكاتب عن موضوعات وأفكار وشخصيات جانبية يجزّئ الحكاية والقصة ويفكك ويضعف بنائها ولا يجعل لها وحدة متناسقة .

وعلى هذا الأساس فإن تكثيف الحدث أو مجموع الأحداث لتحقيق هدف معين هو جوهر بناء الحكاية .

فما الذي يحدد أهمية هذه الأحداث وكيف يتم تنسيقها لتخدم (وحدة الحكاية) وتكاملها العضوي ؟

للإجابة على ذلك لابد في البدء من أن يكون الهدف والغاية واضحة تماماً ..

فالشخصيات تعرف بالضبط ماذا تريد وما هو هدفها فهي لا تتحرك ولا تتكلم ولا يكون لها رد فعل إلا لسبب واضح محدد ومفهوم ومقنع .. وبدون ذلك تصبح هذه الشخصية سائبة وتسهم في فك ترابط الأحداث لأنها لا تعرف بالضبط ماذا تريد ولماذا تتصرف بهذا الشكل ولماذا يكون رد فعلها هكذا .

ولأنها تدرك ما تريد فإنها تسهم في تحريك أفعال الآخرين من خلال تحفيزها لهم . فهي لا تنطلق من فراغ أو لا نتيجة ..

إذن كذلك الحال بالنسبة للسيناريو مطلوب فيه تكامل الحكاية الذي يبدأ من وضوح الهدف والغاية وحركة الشخصية أو الشخصيات نحو غاية وهدف محدد وهو ما تخطط له الشخصية وتسعى إليه .

والمسألة الأخرى هي وجود ما يبرر ما تقوم به الشخصية من أفعال فإن كانت تتصرف بلا تبرير أو بلا سبب فسيضيع الجهد .. إذن هنالك سياق اسمه (السبب) و (النتيجة) فما هو سبب نجاحك ؟ أنه دراستك وحرصك .. أما أننا نؤدي عملاً لتضييع الوقت فستكون النتيجة خاطئة . إذن يكون السبب وتحقق النتيجة مرتبط بالشخصية من جهة وبالأحداث من جهة أخرى أي أنها جميعاً مرتبطة بشكل وثيق بسببية ولو شاهدنا أي فيلم سينمائي فسنلاحظ أن الشخصيات تتصرف لوجود أسباب مؤثرة ومقنعة بالنسبة لنا .

يقدم النص الروائي نسقاً من المعلومات ، التي تتابع كاشفة عن المكان وعن الشخصيات والأحداث على السواء. وتأتي هذه المعلومات عبر فصول النص الروائي أو أقسامه.. وبنمو هذه المعلومات يتصاعد البناء الروائي، فإذا كنا ازاء شكله الكلاسيكي وجدنا الأحداث تتجه الى ذروة تحتشد فيها التحولات وتتكشف قيم أخرى تقود الى النهاية.

أما في السيناريو ، فان النص الروائي وفصوله تقابلها (المشاهد ، لأن الوحدة الصغرى للسيناريو هي للمشهد، أما اللقطة فهي وحدة صغرى في الشريط، ويقوم كاتب السيناريو بتوزيع هذه المعلومات وتقسيمها على المشاهِد. وكل مشهد يجب أن يقع في زمان واحد ومكان واحد.

وتعتمد دلالة المشهد على قرارات كاتب السيناريو في تحميل ذلك النص بكمٍ من التفصيلات والمعطيات والدلالات بمعنى ان لا يوجد هنالك تحديد فيما يجب أن يورد كاتب السيناريو في النص.

يشتغل المشهد بآلية متتابعة لنمو وتصعيد الأحداث، فالحدث ينبثق من مشهد من المشاهد لينسج عبر التسلسل الدرامي للمشاهد بالتتابع، إذ ان مسألة الصورة لا تتوقف في عرض الموقف، بل بايجاد التأثير، لأن الحدث الذي يكتبه كاتب السيناريو يمكن أن تنقله الاذاعة أو الصحافة وبذلك يكون حدثاً مجرداً، أما في حالة كاتب السيناريو، فانه ينجز ذلك ويعرضه في شكله الابداعي المؤثر القائم على التتابع الصوري السمعي الحركي.

نظام المعرفة والمعلومات وكتابة السيناريو

في السيناريو وكما بينا من خلال الأمثلة السابقة : هنالك مساحة غير محددة من المعلومات والتفاصيل التي يجب ان تصل الى المشاهد ، وتلك المعلومات يمكن ان تنقسم الى الأقسام الآتية :

1- معلومات يعلم بها المخرج ولايعلم بها الجمهور ولا الممثل :مثال جريمة قتل هي عبارة عن لغز يقوم شرطي التحري بالبحث عن القاتل بينما الجمهور سيفاجأ بتطور عملية التحري واكتشاف ادلة جديدة .

2- معلومات يعلم بها المخرج والممثل ولايعلم بها الجمهور وهي تلك المعلومات التي يمتلكها الأثنان وتظهر من خلال الأفعال التي قوم بها الممثل والتي تدل على انه يمتلك سرا او تفاصيل يجري الكشف عنها تباعا من طرف الممثل .

3- معلومات يعلم بها الجمهور والمخرج وطرف في التمثيل (جهة البطل مثلا ) بينما لايعلم بها طرف آخر ( اعداء البطل مثلا ) كمثل قيام الشخصية بالتخطيط للقيام بعمل او مهمة ما .

ان هذا التننوع في اعطاء المعلومات يقود الى اهمية بناء المشهد من جهة كيفية بث المعلومات عبر المشهد .

ان المشكلة التي يقع فيها الكثير من كتاب السيناريو هي الصعوبات التي يواجهونها في الكيفية او النظام او الطريقة التي يتبعونها في توزيع المعلومات .

وعلى هذا يجب الأنتباه الى مايلي :

1- ترتبط المعلومات في الفيلم بمسار الأحداث والنمو القصصي والتصعيد الدرامي ويجب ان يجري توقيت بناء المعلومات بحسب ايقاع الأحداث والدراما .لأن من المشكلات في كتابة السيناريو هي تقديم المعلومات دون – مراعاة اهمية ان تكون فيها اضافة او اكتشاف تدفع المشاهد الى التوقع والمشاركة ولهذا تمر احداث الفيلم برتابة احيانا وتدفع الى الملل وهذا يدل على فقدان كاتب السيناريو القدرة على تنظيم المعرفة والمعلومات .

2- ان المعلومات بحاجة الى سبب ودافع حقيقي يدفع الى بثها او تمريرها في وقتها المحدد .لأن قدرة الجمهور على الأستنتاج والتوصل الى المعلومات مبكرا تضعف دافعيتهم للمتابعة وبالتالي لاتنمو المشاهد تصاعديا كما هو مطلوب .

3- ان المعلومات تقترن اقترانا وثيقا بالشخصيات ودوافعها وحاجاتها وكما ان الشخصيات تمتلك خواصها وافكارها وتطلعاتها وافعالها وردود افعالها فأنها ايضا تمتلك معلوماتها الخاصة كما المعلومات العامة بمعنى ان هنالك تفاصيل تتعلق بها وبحياتها الماضية والحاضرة ولكنها ايضا تمتلك معلومات عن ماضيها تحرص على التكتم عليها .

على كاتب السيناريو ان يكون يقضا بمافيه الكفاية في توظيف هذه المعلومات في المكان والزمان المنناسب وان يضع في ذهنه (استراتيجية ) ما للشخصية تتعلق بمتى وكيف ستكشف عن نفسها او متى سيكشف الآخرون شيئا من تلك المعلومات المخبئة او المخفية .

ان نظام المعرفة والمعلومات (بمعنى ان تعرف الشخصيات شيئا ما او نخفيه يرتبط ارتباطا وثيقا بحبكة السيناريو وعلى هذا فأن رسم مسار الدراما ونمو الأفعال والأحداث وحركة القصة والفيلم الى الأمام بشكل مضطرد يتطلب في الوقت نفسه وضع آلية ما وتصورا للربط مابين الحبكة وبين نظام او نسق المعرفة والمعلومات لأن الحبكة الدرامية والبناء القصصي تتغذى من تلك المعلومات ، فعندما نكتشف ان هنالك شكوكا ان القاتل الحقيقي هو صديق البطل فأن هذه المعلومة تسهم في تصعيد الحبكة الفيلمية وتدفع الى ان تحتتشد الأفعال والأحداث لغرض الوصول الى النتيجة الحاسمة او الحقيقية التي لايعلم عنها الكثيرون.

ان الدراما الفيلمية بحاجة الى ان يكون نظام المعرفة والمعلومات في السيناريو على درجة من الأحكام والدقة في التوقيت بما يتيح الفرصة لأن تتسع مساحة الرغبة في المتابعة ، الكل يشكو احيانا من رتابة الأفلام وكون المعلومات التي فيها معرفة او شبه مكشوفة خاصة بعض الأفلام العربية والمشكلة او السبب في هذه الظاهرة هي رداءة نظام المعرفة والمعلومات لدى كاتب السيناريو .

عينة تطبيقية

في الختام فأنني ارشح لكم فيلم “ملك الخاتم ” بأجزائه الثلاثة ليكون عينة تطبيقية اضافية لنظام المعرفة والمعلومات وسنحلله لاحقا .