الرئيسية » مقالات » السيناريو … من الشكل الأدبي الى النوع السينمائي الجزء الأول

السيناريو … من الشكل الأدبي الى النوع السينمائي الجزء الأول

السيناريو … من الشكل الأدبي الى النوع السينمائي الجزء الأول
د.طاهر علوان

ربما كان الحديث عن السيناريو حديثا اشكاليا عن النوع اولا ، وعن الجنس الأدبي ثانيا ، فأذا كان السيناربو كيانا ادبيا فأين يمكن ان يصنف ياترى وسط السرد الروائي والقصصي وسائر انواع السرد ؟ هذا من جهة ومن جهة اخرى فأن السيناريو قد ارتبط ارتباطا وثيقا بكل الأنواع الفيلمية التي ظهرت عبر تاريخ فن الفيلم : فهو قد واكب الفيلم القصير والوثائقي والطويل بأنواعه ، الواقعي والخيال العلمي والحربي وغيرها من الأنواع .

I
ربما كان الحديث عن السيناريو حديثا اشكاليا عن النوع اولا ، وعن الجنس الأدبي ثانيا ، فأذا كان السيناربو كيانا ادبيا فأين يمكن ان يصنف ياترى وسط السرد الروائي والقصصي وسائر انواع السرد ؟ هذا من جهة ومن جهة اخرى فأن السيناريو قد ارتبط ارتباطا وثيقا بكل الأنواع الفيلمية التي ظهرت عبر تاريخ فن الفيلم : فهو قد واكب الفيلم القصير والوثائقي والطويل بأنواعه ، الواقعي والخيال العلمي والحربي وغيرها من الأنواع .
ولأننا قوم مستوردون للسينما في علب مغلفة ومختومة فكذلك الأمر مع السيناريو الذي استوردناه مع سائر البضاعة السينمائية وما ظهر من بيننا حتى الساعة من صنف هذه ( البضاعة ) تحت اية خانة او باب وما هي وما كنهها واسرارها . ولأننا مكثنا طويلا ونحن نبحث في اسباب تراجعنا ( في الحقل السمعي البصري ) فقد وجدنا في السيناريو متهما في كونه احد اسباب تراجع الصناعة السينمائية في بلادنا وصار امرا مألوفا ان تسمع ان هنالك ازمة في السيناريو تضاف الى سلسلة ازمات مستحكمة تفتك بالأنواع الثقافية فيما تحاصرها باضطراد آفات الجهل والتخلف والأمية.
II
.(السيناريو)، نص شكل (وسيطاً نوعياً) بين الرواية ـ أو النص الأدبي عموماً ـ وبين الصورة المعروضة على الشاشة. وإذا كانت شيفرات الرواية تتغلغل في شبكة المرويات وبدوافع الشخصية، فان شيفرات السيناريو تتغلغل في شبكة التعبير الظاهري المباشر بمعنى ان السيناريو يقوم على سلسلة من آليات الإحالة من نسيج النص الروائي وشكله الثنائي (المقروء / المتخيل) الى شكله الثلاثي (المرئي / المسموع / المتحرك)، ونقصد بالمتحرك توفر عنصر الحركة من خلال حركة الشخصيات وحركات آلة التصوير الكثيرة والمتنوعة وحركات الأشياء داخل (إطار الصورة) وثمة مرحلة فاصلة إذن بين النصين ترتكز عليهما آلية التحويل.
ولذا نجد ان الصورة المرئية قد وجدت أرقى تجلياتها ومستويات رهافتها ورقيها مع تلك الأعمال الروائية التي أتاحت مباشرة تفكيك النص الروائي الى عناصره المرئية. ولذا ابتعد كتّاب السيناريو لأسباب فنية عن الأعمال الباطنية والضمنية و الداخلية وروايات تيار الوعي والهواجس النفسية الداخلية وانشغلوا طويلاً بالرواية الأقرب الى لغة الصورة.
ان السيناريو لا يغادر تلك المعطيات الموضوعية التي تكون النسيج الروائي وسيل المدركات الحسية التي تعبّر عنها الشخصيات في النص، لكنه لا ينغمر في متاهات النص ولا ينقاد الى تداعيات شخصيات، بل انه يدفع قُدماً باتجاه إيجاد تحولات و متغيرات، وباتجاه تصعيد النص وتصعيد الأحداث فيه.. فإذا كان هنالك متسع للشخصيات في رواية الدكتور زيفاغو لباسترناك لتتأمل وتحلم، فانها تحولت على يد (ديفيد لين) في الشريط الذي يحمل الاسم نفسه، الى عالم آخر يعج ويفيض بالتحولات والشخصيات محاصرة بمعاناتها واشكالياتها وحاجاتها، تدرأ عن نفسها تلك الوقفات الطويلة والتأملات التي لا يحدها زمان.

III
واعتباراً من العام 1914، بظهور شريط (مولد أمة) للمخرج (جريفيث) تأسست مفاهيم للسرد السينمائي عبر السيناريو. بمعنى ان (اللغة المرئية)، إن جاز التعبير، صارت لها (سرديتها الخاصة)، وصارت لكاتب السيناريو قراءته الخاصة للنص وأدواته التعبيرية التي يقدم عبرها النص. لقد نظر جريفيث الى الأفلام على انها قصص يمكن أن تُحكى بواسطة ترتيب اللقطات بدلاً من الكلمات.
ولعل هذا المفهوم هو الذي ينشغل به كتّاب السيناريو المحترفون باعتبار السيناريو (عملية كتابة بالصورة)، فكثيراً ما يتوقف عند مهارات الشاعر في صنعه للصور الشعرية التي تتنوع الى صور سمعية وبصرية وشـمّية وغيرها، أما لدى كاتب السيناريو، فان نصَّه يحتشد بهذه الصور جميعاً ولا سبيل إلا بإيجاد موازنة بين الصور وبين التعبير. فاللغة أياً كانت الأحوال ومنها اللغة السينمائية تعيد انتاج الواقع.. فالخطاب السمعبصري يعيد انتاج الحدث والموقف، ففي أفلام السيرة مثلاً يتم إعادة انتاج التتابع الزمني للأحداث المرتبطة بالشخصية موضوع السيرة، وان إحالات هذا الخطاب وتحقق إعادة انتاجه للحدث والزمن إنما تقترن بالهدف وهو المتلقي الذي سيدرك مديات حركة الخطاب وآثاره.
وإذا كانت ممارسة اللغة عند بنيفست تقدم وضعاً لتبادل الحوار، بالنسبة للمتكلم، إذ يُـمَـثّل الواقع وبالنسبة للمستمع يُعاد خلق هذا الواقع، فان المسألة بالموازاة فيما يتعلق بالخطاب السمعبصري هنالك مساحة يتحرك فيها هذا الخطاب ويقدم واقعاً مستعاداً بشخصياته وأحداثه، قريب من الصورة الافتراضية التي يدركها المتلقي نظراً، لأن عملية التلقي هنا تقوم على موازنة وموازاة بين عالمين: افتراضي، وواقعي.