الرئيسية » مقالات » ورشة ماركيز لكتابة السيناريو ج 3

ورشة ماركيز لكتابة السيناريو ج 3

ورشة غابرييل غارسيا ماركيز لكتابة السيناريو

القسم الثالث

بائعة الأحلام

الورشة رسخت قيمة العمل الجماعي وبعثت الحياة في المناظرات حول الشكل السينمائي للأعمال الأدبية والتوجه نحو مفهوم أكثر انفتاحا للدراماتورجيا السينمائية البديلة

احمد ثامر جهاد

“على إلما ان تحلم شيئا غريبا،مختلفا،ولكن لدى تفسيره يبدو مطابقا للواقع..”ماركيز

التأمت ورشة ماركيز لكتابة السيناريو في المدرسة الدولية للسينما والتلفزيون في هافانا لانجاز سيناريو سينمائي تلفزيوني عن قصة (أبيع أحلامي) التي كتبها ماركيز نفسه عام 1980 .

وعلى خلاف الورش السابقة التي عملت على تطوير عدد من القصص والأفكار لكتابة سيناريو سينمائي ناضج،كانت لدى أعضاء هذه الورشة فكرة أولية مركزية حول قصة امرأة تدعى (الما) تطرق باب منزل إحدى العوائل الميسورة وتعرض عليهم العمل عندهم.

منذ البداية ستدهش إجابة الزائرة الغريبة أهل المنزل حينما يواجهونها بالسؤال عن طبيعة عملها.. ترد “أنا أبيع أحلامي”.

ولأجل اكساء هذه الفكرة لحما ودما،وتاليا حياة درامية جذابة على الشاشة سيستغرق عمل الورشة ست عشرة جلسة إبداعية يديرها غارسيا ماركيز مع اثنين من مساعديه هما:(دوك كومباراتو/دراماتورج وسيناريست سينمائي من البرازيل،اليسيو البرتو دييغو/سيناريست وأديب من كوبا)

وكالعادة يضفي وجود ماركيز حالة من الجدية والمرح والاحتراف على أجواء الورشة بشكل يحفز جميع المشاركين للتفكير الإبداعي عبر اقتراح أفضل السبل لرسم مصير العائلة التي ستخضع تدريجيا لتنبؤات أحلام الما،المرأة الوحيدة التي تشتغل وهي نائمة.

يعترف ماركيز لأعضاء الورشة قائلا:”أنا انظم هذه الورشة لكي أرى ما هو سر الإبداع،ولكنه يفاجئني دائما.فالحقيقة هي ان الإبداع لا يتحقق ما لم يُستحث..”

فيعرض عليهم الفكرة ببساطة”أمامنا قصة امرأة تأتي إلى بيت وتعرض خدماتها كحالمة وتصفي أفراد الأسرة فيما بعد،وعلينا خلال شهر تحويل هذه القصة إلى سيناريو من خمس أو ست حلقات تباع للتلفزيون،ننتظر التدفق الإبداعي للجميع”

يقول الناقد السينمائي ومونتير جلسات الورشة(ادغار تورتشيا)”في سياق الجلسات،يمكن لنا ان نلحظ الطريقة التي تأخذ فيها مختلف عناصر القصة بالالتحام والترابط،في الوقت الذي تتكشف فيه أسرار الإبداع..”

ويضيف”اعتقد ان لهذا الكتاب ثلاث مظاهر أساسية”أولا:قيمة العمل الجماعي في الورشة،ثانيا:بعث الحياة في المناظرات القديمة حول النسخ السينمائية للأعمال الأدبية،ثالثا : كسر تقاليد السيناريو الحديدي المرهوب،والتوجه نحو مفهوم أكثر انفتاحا للدراماتورجيا السينمائية البديلة”

وبقدر ما يؤدي ماركيز دوره كأحد أعضاء الورشة سواء في النقاش أو اقتراح التعديلات أو الإضافات أو اختبار جدارة الأفكار المطروحة،فانه يمارس بالتزام ملحوظ دور الموجه والخبير الضامن لعدم انسياق الحوار إلى الترهات التي لا تفعل شيئا سوى إضاعة الوقت.

تدريجيا سيكون لدى أعضاء الورشة مخططا عاما للعمل يمثل النخاع الشوكي الحقيقي للسيناريو المنشود الذي عليه لكي يكون راشد ومؤثرا ان يتجنب الوقوع في فخ الاستطرادات والهذيانات غير النافعة.

“في بضعة سطور،في صفحة أو بضع صفحات،يمكن للمبدع ان يلاحظ العلاقات والمواقف والتذبذبات والإيقاعات والنبرات،وتجري الإشارة مرة بعد أخرى إلى المخطط باعتباره الدليل والموجه لتطور السيناريو”

تتحدد هوية العمل المطلوب بانجاز سيناريو تلفزيوني يتراوح بين الخمس الى الست حلقات بواقع يومين لكتابة كل حلقة.وذلك يقتضي الانتباه إلى قدر المعلومات والأحداث التي يجب بثها في كل حلقة،فضلا عن رسم الشخصيات بدقة وإقناع، إذا ما أردنا بالطبع تجنب الترهل الدرامي والحفاظ على التشويق المطلوب والاهم من ذلك كله الإمساك بعواطف المشاهد بقوة.

ينصح ماركيز أعضاء الورشة بعدم إعطاء كل شئ منذ البداية والإبقاء على قدر من الغموض المحبب،فضلا عن استغلال أية فرصة سانحة لتقديم معلومة ما.. ويقول”يجب ألا يُعرف أبدا إذا ما كانت(الما)تحلم حقا أم لا. لا يمكن تقديم معطيات كثيرة،وإنما يجب الحفاظ على الغموض..للأحلام فضيلة اننا لا نعرف قط إذا ما كانت حقائق أم أكاذيب”

إذا امتلكنا المخطط العام للسيناريو،علينا لاحقا اجتراح التفاصيل الصغيرة والأساسية للقصة،الشخصيات والأحداث والحوارات،شريطة ان لا تضيعنا تلك التفاصيل عن ما حدده الهيكل العام للسيناريو.ولكن في المقابل قد تخطر حيثيات جيدة وجديدة خلال العمل على تطوير الأحداث،تدعونا وفقا لترابطها وتأثيرها إلى تغيير المخطط الذي اقترحته سيناريو العمل.المهم هو تحقيق التماسك والإيقاع والتأثير الدرامي ليكون للعمل الإبداعي منطقه الذي غالبا ما يبدو شيئا مفارقا للمنطق الذي يحكمنا كأفراد.

يذهب غابو إلى انه”عندما يكتب المرء سيناريو،عليه ان يفترض انه سيموت عندما ينتهي،وان من سيجدون السيناريو سيصورونه مثلما تركه.فالتفاصيل التي يتركها احدنا لن تعرف أبدا،لأنه سيحملها معه إلى القبر..”

وفي سياق تعليقاته على بعض المقترحات التي لا تبدو موفقة،ينبه ماركيز إلى ان”كل سيناريو له فجوة في منتصفه،يغطيها احدنا فتخرج في مكان آخر،وأخيرا ينتهي الأمر بأحدنا إلى وضع طلاء فوقها،ولكن هذه الفجوة موجودة دوما..”

وحتى نتجنب الانسياق وراء رغباتنا التي قد تسئ أحيانا إلى جودة العمل الإبداعي الذي ننشده، من الضروري ان نبقي تساؤلات المشاهد المتوقعة حاضرة في أذهاننا،بمعنى آخر،علينا أن نكون واضحين بما يكفي وننتبه إلى ما تفكر به شخصيات العمل وما تفعله..وهنا يعلق ماركيز”ما لم تتضح القصة،فان الناس سيضيعون لأنهم يبدؤون بالتفكير لماذا حدث كذا وكذا..المشاهد سيسهو ولن يعرف بعد ذلك من الذي أطلق الطلقة.يجب ان تكون الحوارات إخبارية،ولكنها يجب ان تقدم في الوقت نفسه طباع الشخصيات،ان تقدم موقفا،أو حالة معنوية..”ويضيف في مكان آخر”ان الحوارات السيئة هي تلك التي تفيض عن الحاجة ولا لزوم لها..”

ويبدو ان اخطر شئ يمكن ان يواجه كاتب السيناريو أو أي كاتب آخر هو التفكير بالحدود المنطقية لأحداث عمله وشخصياته،ففي العمل الخيالي نحن أحوج ما نكون إلى ابتكار خروقات غير مسبوقة تجعلنا مؤبدين في لذة الدهشة الأدبية.

يعتبر ماركيز”ان الناس لا يموتون إلى الأبد إلا في الحياة الواقعية.أما في الأدب فيمكن لأحدنا ان يفعل ما يشتهي.فمن اجل هذا اخترع الأدب،من اجل ان يفضفض احدنا عن رغباته..”

مع الجلسة السادسة عشرة تكتمل حلقات العمل التلفزيوني ويكون السيناريو جاهزا بعد ان يتولى ماركيز كتابة ملخصه النهائي.وفي الأثناء يعبر أعضاء الورشة عن سرورهم للانجاز الذي حققوه بروح جماعية وللدروس التي تعلموها،خاصة تلك المتعلقة بالانضباط والتفكير الإبداعي الحر.

فيما يدافع ماركيز عن مهنته بالقول”الإبداع الجماعي جيد في السينما وفي التلفزيون على السواء.ولكنني لا استطيع تخيله في الرواية. ففي الرواية يفلت احدنا أحشاءه وحيدا..”.

*بائعة الأحلام:هو الكتاب الثالث والأخير من ورشة ماركيز لكتابة السيناريو بعد”كيف تحكى حكاية ونزوة القص المباركة.وقد صدرت جميع أعمال الورشة بترجمة صالح علماني عن سلسلة الفن السابع-وزارة الثقافة السورية،وبطبعة ثانية عن دار المدى.

…………………………………………….