الرئيسية » مقالات » ورشة ماركيز لكتابة السيناريو ج2

ورشة ماركيز لكتابة السيناريو ج2

 

نزوة القص المباركة

ورشة الكاتب الكولومبي “غابرييل غارسيا ماركيز” لكتابة السيناريو

احمد ثامر جهاد
الحلقة2

القصة تولد ولا تصنع.. ماركيز

تضمن كتاب(كيف تحكى حكاية) وقائع التجربة الأولى لورشة كتابة السيناريو التي ضمت مجموعة من المتدربين والكتاب والمخرجين وترأسها الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز،فيما يعرض الكتاب الثاني الموسوم (نزوة القص المباركة) وقائع جلسات التجربة الثانية لورشة السيناريو.

هذه التجربة العملية في ميدان المشغل الإبداعي هي إحدى المشاريع التي أحبها ماركيز وأدارها بإتقان وحماس قل نظيرهما،لأنها تقع في صلب عمله الذي يرتكز على محاولات غير منتهية لبلوغ الكيفية التي يتم من خلالها تفكيك القصص وإعادة تركيبها وصياغتها بما يجعلها قصة متماسكة صالحة للقراءة أو للعرض على الشاشة.

ومن اجل ان تكون هذه التجربة ذات فائدة عامة تخضع هذه الجلسات التي يخرجها ويشرف عليها ماركيز إلى عملية تحرير ومونتاج تحولها إلى كتاب قابل للتداول بين المهتمين.بمعنى آخر فان يوميات مشروع ورشة كتابة السيناريو بكل ما يطرح خلاله من أفكار ومقترحات ومخططات يجري تفريغها بمهارة في سلسلة كتب،اشد إمتاعا وفائدة ووضوحا مما تقدمه اغلب الكتب النظرية عن فن كتابة السيناريو.

يعترف ماركيز في مقدمة الكتاب،ان ورشة السيناريو تحولت لديه إلى حالة إدمان. ويوضح ذلك بالقول”ان الشئ الوحيد الذي رغبت عمله في حياتي- وهو الشئ الوحيد الذي أتقنت عمله إلى هذا الحد أو ذاك-هو رواية القصص..”

يتساءل غابو(الاسم الذي يطلقه أعضاء الورشة على ماركيز) بما يشبه تمرينا تحفيزيا أوليا عما يمكن تعلمه من هذه الورش،ويعتبر ان ما يمكن تعلمه هنا بالضبط،هو كيف يتم تركيب قصة،وروايتها؟ فالعالم بحسب غابو ينقسم بين من يعرفون رواية القصص واؤلئك الذين لا يعرفون ذلك،مثلما هو منقسم بشكل أوسع بين من يتغوطون جيدا ومن يتغوطون بصورة سيئة..”

يعتبر غابو ان الدرس الأول مهم في مثل هذه الورش،لأنه يعلمك وجهتك،وإلى أين تسير جهودك،وهل لديك العدة الكافية للمضي في هذا المشروع.وكعادته يستخدم غابو خبرته الكبيرة في مجال الأدب القصصي لإثارة حماس من حوله والتجادل معهم بشأن ما يقترحونه ويعملون عليه.فيطرح أحكامه وتصوراته عبر تلخيصات تتسم بالحيوية والخبرة،ويقول في إحدى الجلسات”ما أريد قوله هو ان القصة تولد ولا تصنع.والموهبة وحدها لا تكفي بالطبع..بالنسبة لي اعترف “ان نصف الحكايات التي بدأت بها تكويني سمعتها من أمي”.

وعلينا ان نتذكر دائما ان القصص هي مثل العاب أو الغاز ينبغي إتقان تركيبها بشكل جيد ومثير،وتركيبها بهذه الطريقة أو تلك هو أشبه بلعبة..ويقول”نحن الروائيون لا نقرأ الروايات إلا لكي نتعلم كيف كتبت..”

هكذا تبدو ورشة السيناريو بالنسبة للجميع فرصة مثلى لتبادل الخبرات والتجارب والآراء،والاهم بالتأكيد اختلاق القصص والسيناريوهات الجيدة وتعلم فنون صياغتها وبنائها بطرق الخيال والواقع.تلك العناصر مجتمعة هي الأساس الواجب تعلمه في أي عمل إبداعي سواء في السينما أو الأدب،فضلا عن الموهبة التي يمتلكها الكاتب أو الفنان.

ولا يعني ذلك بالطبع ان ثمة تطابقا بين مهمة كاتب السيناريو والروائي،فبينما يميل الروائي خلال الانخراط في كتابة عمله إلى الانعزال عن العالم،بإحساس من الزهو والغطرسة،يسعى كاتب السيناريو من جهته إلى المشاركة والعمل مع المجموعة.

وبحسب غابو فانه” لا يوجد في العالم حاجة إلى المهانة بقدر وجودها لممارسة مهنة كاتب السيناريو بكرامة.ذلك ان القصة ما ان تصور فهي لا تعود له،وعليه ان يكون مستعدا لتقبل صورة أخرى لما أنجزه على الورق،خاصة مع المخرج الذي يضع كل موهبته وخياله وحتى خصيتيه من اجل نقل هذه القصة إلى الشاشة لتكون جديرة بان تذهب الناس لرؤيتها في صالات السينما..”

ورغم ولعه بورشة كتابة السيناريو وحبه للسينما،فان غابو يفرق بإدراكه لأسرار عملية طبخ القصص بين النوعين الأدبي والسينمائي،ويبدو مصرا على رأيه الذي يذهب إلى ان من يقرأ رواية هو أكثر حرية ممن يشاهد فيلما ..وربما لهذا السبب لم يسمح بنقل روايته (مائة عام من العزلة) والعديد من أعماله الأدبية الأخرى إلى الشاشة لانها ببساطة ستتحول إلى كائن آخر.

ليس فقط النظريات وطرق التكنيك هي ما ينبغي تعلمه هنا،وإنما ثمة قواعد سلوكية وأخلاقيات للكتابة يجب الالتزام بها، إذا ما أراد شخص ما ان يبدع في عمله. يطلب غابو من أعضاء الورشة ان يواظبوا على الكتابة وان يكونوا مستعدين لها طوال الأربع والعشرين ساعة في اليوم،وان يشعروا طوال الوقت انهم كتاب وينتظرهم ما ينبغي انجازه،ويستعير في سياق حديثه عبارة مأثورة تشدد على أصالة المبدأ،”إذا ما داهمني الإلهام فسيجدني مستغرقا بالكتابة”.

على الصعيد ذاته ينصح غابو المشاركين ان لا يفكروا بالقضايا التي تمت مناقشتها بعد خروجهم من الجلسة،لان من شان ذلك ان يتسبب بعسر هضم،ويقول”اننا هنا مثلما في ورشة نجارة،ما ان ينتهي احدنا حتى يكون عليه وضع أدواته جانبا،ولا يحملها معه إلى البيت..”

وعلى الدوام ثمة مهارة بائنة يتقنها ماركيز لغرض لفت انتباه المشاركين إلى الدروس الواجب استيعابها لحظة الشروع بكتابة مخطط قصة تتحول إلى سيناريو قد يتحول بدوره إلى فيلم سينمائي. وتكون مشاركته المشفوعة بروح متواضعة محايثة لحوارات المشاركين ومقترحاتهم الذكية،مشاركة ضرورية وحاسمة ينتظرها أعضاء الورشة كونها تنطوي على تصويبات دقيقة لترتيب مسار الأشياء وحفز الخيال وإتقان قواعد اللعبة.

فحينما تقترح إحدى المشاركات كتابة قصة عن الموت الغامض لرجل ثري في سريره،يعلن غابو انحيازه للبداية الأدبية المكثفة في مشهد دفن الرجل الثري،معتبرا”ان تلك صورة جيدة للبداية،فبينما يجري دفن الجسد،يتم نبش قضية”

وعلى الدوام القصة موجودة،لكنها غير متاحة لشحيحي الخيال،انها هناك تحت القشور والمظاهر الخادعة للواقع.لكن عثورك على خيط قصتك لا يعني انك فزت بكل شئ،لان صياغتها كحكاية جيدة هو التحدي الأشد صعوبة في الأدب عامة،مما يعني انك بمواجهة ما هو جوهري في فن الإبداع القصصي والسينمائي،انها التقنية التي تجعل من القصة قصة وليست أي شئ آخر.

وبتوالي فصول الكتاب يتطرق حوار المجموعة إلى أهم ما يمكن لكاتب السيناريو مواجهته من عقبات حين يتصدى لموضوعه.وبالطبع فان كثرة التفاصيل قد لا تكون دائما لصالح القصة،إنما الأساس هو القدرة على مواجهة المشكلة التقنية للقصة،ولا يعني ذلك الانحياز لتعقيدها وإنما جعلها بسيطة،حساسة وبليغة.فالحل يجب أن يكون عبقريا ومفاجئا وليست هناك حاجة لان يكون معقدا.

وكما هو متوقع هناك سيناريوهات مقترحة من قبل المشاركين تطابق الواقع بدرجة كبيرة،ولكن الأهم بحسب غابو هو ان لا يروي النص ما حدث،بل ما يمكن أن يكون قد حدث،”فالقصص لا تبنى على القاعدة وإنما على الاستثناءات،والقصة الأكثر تشويقا هي التي فيها اكبر قدر من المصادفات”

وعبر حوارات من هذا النوع يعي المشاركون صعوبة المهمة التي من اجلها جاءوا،ويشاركونه الرأي حول الصعوبات العديدة التي يواجهها المخرج السينمائي عند تحويل النصوص الجيدة إلى الشاشة،يقول غابو”ان مهمة المخرج هي واحدة من أكثر المهن إجهادا وصعوبة في الدنيا.ليس لانها مهنة شخص يتوجب عليه التعبير عن نفسه عبر وسيلة شديدة التعقيد،وإنما كذلك بسبب الظروف المتغيرة التي يتوجب عليه العمل فيها..ولذا فصناعة السينما هي نضال متواصل..”

ولغرض توصيل الأفكار الأساسية وترسيخها بشكل جيد وإثارة حماس أعضاء الورشة يستعرض غابو بعض السيناريوهات التي كتبها بنفسه وأخرجها بعض مخرجي أمريكا اللاتينية،كما يبدي إعجابه الشديد بعدد من السيناريوهات والأفلام من قبيل:اوديب عمدة،وفريز وشوكولاتة.

في الغضون يتساءل احد الحضور عن السر الذي يجعلنا نذهب عشرات المرات لمشاهدة مسرحية هاملت مثلا،بالرغم من اننا نعرف نهايتها..ويبدو المغزى الذي يتوجب الانتباه إليه هنا هو”كوننا نشبه إلى حد ما الطفل الذي لا يمل من ان يسمع ويقرأ ويرى مرارا قصة بينوكيو،لان ما يهمه فعليا هو صيرورة الأحداث حتى لو كان يعرف النتيجة.وأكثر من ذلك انه يستمتع أيضا برؤية كيف ستجري الأمور مثلما ينتظر حدوثها”

وكعادته يقدم غابو لأعضاء ورشة السيناريو أفكارا وتصورات لها أهميتها في تلخيص الفرق بين ما هو خيالي وواقعي،مشددا على “ان رواية الشهيرة(مائة عام من العزلة) هي خيال من الصفحة الأولى حتى الأخيرة،لكن عدد غير قليل من أساتذة الأدب والسائحين والقراء اعتادوا على المجيء إلى اراكاتاكا ليروا كيف هي ماكوندو،ويفتشون عن الشجرة التي قيدوا إليها الكولونيل اوريليانو بوينديا والحديقة التي صعدت منها ريميديوس الى السماء…انظر كيف يمكن للخيال ان يحل محل الواقع،مثلما يمكن للخرافة في يوم طيب ان تتحول إلى تاريخ..”

يختتم غابو ورشة كتابة السيناريو بكلمات تشجيعية للمشاركين الذين تكبدوا العناء وحضروا لتعلم شئ جديد..فيقول”الشئ الوحيد الذي لا يمكننا عمله-نحن الذين نعاني نزوة القص المباركة هذه- هو التوقف. لأنه إذا ما توقف احدنا،فسيذهب مع الشيطان..

*إشارة:صدرت أعمال ورشة سيناريو غابرييل غارسيا ماركيز بثلاثة كتب ترجمها المبدع صالح علماني ونشرتها وزارة الثقافة السورية-سلسلة الفن السابع،وهي على التوالي:كيف تحكى حكاية،نزوة القص المباركة،بائعة الأحلام.ثم أعيد طبعها 2008 في مجلد واحد عن دار المدى.